فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرابع: إن الرجل صدَّر قوله (لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) بتعظيم الله عز وجل، كما اتفقت عليه كل روايات الحديث، حيث قال «فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لاَ يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ» وأنت إذا تأملت تصدير كلامه بتعظيم الله عز وجل ألا وهو الحلف باسم الله عز وجل، لدلَّك ذلك على أن كلام هذا الرجل كلام معظم لله عز وجل، لا كلام من يظن به سوءًا ونقصًا في صفاته سبحانه.
الخامس: إن الرجل أوصى بما أوصى من شدة خشيته لله والخوف من أليم عقابه كما اتفقت عليه كل روايات الحديث، وهذا دليل على تعظيمه لله وتكبيره في نفسه لا على ظنه بالله ظن السوء كما يدعي أهل السوء من أهل الزيغ والضلال.
السادس: إن هذا الرجل قد ذكر وصيته وعدَّها من أفعال الخير، وذلك في رواية أبي بكر الصديق رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل، فلو كانت وصيته سببها شكه المزعوم في قدرة الله عز وجل أو في علمه سبحانه لما عدَّ ما فعله من أعمال الخير.
السابع: إن هذا الرجل قال جوابًا على سؤال الله عز وجل له عن السبب الباعث له على وصية التحريق: (مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ) (صحيح مسلم، ط. المطبعة العامرة(8/ 97) ، ط. المكنز (2/ 1159) أو (ص 1415، حديث رقم 7156) .)، وإن الله عز وجل لم يكذبه، مما يدل على أنه إنما أوصى بما أوصى من خشية الله عز وجل وليس شكًا في قدرة الله عز وجل أو في علمه سبحانه، ويدل قول الرجل (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) على أن هذا الرجل يؤمن بأن الله عز وجل يعلم ما يخفيه في صدره، ويؤمن بأن الله عز وجل يعلم السر الذي غيَّبه في صدره عن السبب الباعث له على وصية التحريق ألا وهي خشية الله عز وجل وخوفه سبحانه وتعالى، فكيف يقال بعد ذلك أنه طمع أن يخفى على علم الله عز وجل إذا غاب رماده في البر والبحر؟!! وكيف يقال مع إقراره لله عز وجل بالعلم بأن هذا الرجل يشك في قدرة الله عز وجل على خلقه من جديد بعد أن يصبح رمادًا مبثوثًا في البر والبحر؟!!
الثامن: هذا الرجل تحديدًا لا يمكن أن يكون شاكًا في قدرة الله عز وجل على جمع رماده المتفرق في البر والبحر وإحيائه من جديد. لأنه يعلم يقينًا أن المقبور سيكون بعد فترة عدمًا لأنه كان نباشًا ينبش القبور فلا بد أنه يعرف أكثر من غيره أن الإنسان بعد فترة يبلى ويتحول إلى تراب ولا يبقى من جسده شيئًا. فلو كان شاكًا في قدرة الله عز وجل لما أمر بحرقه وذري رماده في البر والبحر لأنه كما أنه بذري رماده في البر والبحر يكون كالعدم فإن المقبور أيضًا بعد فترة بتحوله إلى تراب يكون كالعدم فلا فرق. إلا أنه أراد من التحريق وذري الرماد معنى آخر أشرنا إليه في شرح الحديث، وبالله ملك الملوك جل جلاله توفيقنا.
ولأدعياء التوحيد مذاهب شتى في تأويل هذا الحديث ابتغاء الفتنة والإضلال، وتحريف التوحيد الذي هو أصل الأصول، وظنًا منهم أنهم يستطيعون أن يطفئوا بذلك نور الله عز وجل، [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] (الصف: 8) ، وإننا فيما يلي سنكشف الستار عن هذه المذاهب الشركية بفضل الله عز وجل، وننقضها بمعونة ملك الملوك جل جلاله، وبالله التوفيق.
منقول من كتاب توفيق اللطيف المنان في بيان أن الشاك في الله ليس من أهل الإيمان وأن الموالي له في الحكم سيان، للشيخ المهتدي بالله عبد القادر بن إسماعيل الإبراهيمي.
(1/ 270 - 272) ، ولقد شرح فيه هذا الحديث شرحا وافيا، ورد على مذاهب المشركين المتعددة في شرح هذا الحديث، فانظر الكتاب للفائدة الأتم.
أو
والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.