فهرس الكتاب

الصفحة 2820 من 28557

ثم إن الناظر لدولة الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة يجد فيها إبان قوة الدولة فئتين من الذين يترصدون المؤمنين ويؤذونهم: طائفة تظهر الإسلام وتبطن الكفر، وزعيمهم عبدالله بن أبي بن سلول، وهؤلاء لم يُتعرض لهم، أخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يظهرونه من الإسلام، بل خلع قميصه ليكفن به زعيمهم ومتولي كبرهم.

وأما الفئة الثانية فممثلة في بعض الكفار من اليهود الذين آذوا رسول الله وآذوا عموم المؤمنين سبًا؛ نثرًا وشعرًا، وقائدهم كعب بن الأشرف، ولمّا كانت دولة الإسلام قائمة في المدينة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبًا بذنبه وجريمته وحده، فكان اغتياله الذي لم ينل غيره من أعوانه ونظرائه وموافقيه ومن هم على ملته، بل تُرُصِد الرجل وحده ونيل منه دون إهدار لحرمة من سواه، ولم يتكرر هذا منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم حتى مات الأمر الذي يدلك على أنها قضية عين لها أسبابها وظروفها وملابساتها الخاصة.

فكيف يسوغ إذًا أن يُترصد من يظهر الإسلام، والأصل صدقه والواجب أخذه بالظاهر، حتى لو كان منافقًا فليس شرًا من ابن سلول.

إن الواجب تجاه الولاة والحكام هو السمع والطاعة بالمعروف ما لم يخلعوا ربقة الإسلام، وإن جاروا وظلموا؛ فجلدوا الظهر وأخذوا المال، فإن رأى راءٍ -وكان من أهل النظر- أن الإسلام من بعضهم براء فلا يسوِّغ له ذلك منابذتهم حتى يجتمع معه في رأيه أهل الرأي المعتبرون كما قال صلى الله عليه وسلم:"إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان"فلا يكفي أن يرى أحد الكفر وحده، ولا يكفي أن تراه جماعة أهل الرأي وليس لهم فيه دليل بيِّن لا امتراء فيه، بل مجرد شبه وتأولات لاترقى إلى اليقين القاطع، والبرهان الساطع.

فإن توفر شرط الخروج، فلابد من اعتبار المصلحة والمفسدة المرتبة عليه، والتي لا تتصور أبدًا في تفجير مبان أو مرافق عامة، ولا في قتل أشخاص مستأمنين أو لهم شبهة أمان، وإذا كان الأمر كذلك فسبيل التفجير سبيل ينبغي أن يعلن رفضه في المجتمعات الإسلامية.

بل إن سلوك مسلك التفجير في بلاد الإسلام لايخلو من اقتراف كبائر موبقة، فقل أن يسلم من تلك الحوادث نفر ممن يظهر الإسلام، أو لا سبيل إلى تيقن كفرهم، واقرأ سورة الفتح وتأمل قول الله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: 25] ، فكيف تعارض النصوص العاصمة للدماء بشبه وأمور لم تفهم على وجهها، كقياس من أفسد القياس على مسألة التترس التي لم يتصور المستدل بها صورتها المجمع عليها والتي تقضي باستئصال شأفة جيش المسلمين إن هم أحجموا عن رمي الترس، فيجعل بعض هؤلاء رمي الترس جائز مطلقًا ويزعم أن الأمة أجمعت على هذا الباطل! ثم يقيس عليه ما هو فيه، فيعارض النصوص الصريحة بلا أصل مؤسس ولا فرع محقق. في الصحيحين أن أسامة بن زيد رضي الله عنه لمَّا صَبّحوا الحُرَقات من جُهينة أدرك رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فقتله -لظنه أنه قالها تعوذًا- فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أقال لا إله إلا الله وقتلته"، قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال:"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيتُ أني أسلمت يومئذ، فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين - يعني أسامة - قال رجل: ألم يقل الله:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ" (البقرة:193) ، فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت