فهرس الكتاب

الصفحة 26173 من 28557

وكذلك راح إلى استعمال القرآن للفظة (جعل) وبين مواردها ومجامع استعمالاتها وأصل معانيها , وكذلك فعل مع لفظة (محدث) ولفظة (المعية) والعلاقة بين لفظتي (أمر وخلق) في القرآن , وتوصل إلى نتائج هامة في دلالاتها.

ويظهر النفس التحليل أيضا في تفكيك مقولات الجهم ابن صفوان , فقد وظف التحليل المبني على القسمة العقلية في تفتيت أقواله وفزر الاحتمالات التي تحتملها , ومن ثمة تعامل مع كل احتمال بما يناسبه من النقاش والتدليل , وقد استغرقت هذه العملية قدرا كبيرا من الكتاب.

وهذه النفسية التحليلية نابعة بلا شك من المنهجية العقلية التي كان يتمثلها الإمام أحمد في منظومته المعرفية.

وأما الثاني , فهو مستوى التطبيقات الجزئية , وهنا يظهر للقارئ مدى حضور المنهج العقلي عند الإمام أحمد , فقد وظف عددا من الأدلة العقلية في بناء عقيدته في الأسماء والصفات , بل إنه قدم في بعض المواطن الدليل العقلي على الدليل النقلي من حيث الذكر , ويلحظ القاري أن تقديم تلك الأدلة كان بمهنية عالية وطريقة متقنة , ولو ذهبنا نذكر كل دليل عقلي ذكره لطال بنا المقام , ولكن سنجمل هما القضايا التي وظف الدليل العقلي في بناءها , ومنها:

-الأصل الذي تقوم عليه قضية الاتصاف بالأوصاف , فقد بين أن الوجود الخارجي لا يثبت إلا بأمور وجودية , وأن الموجودات إنما تتمايز وتتفاضل بالأوصاف الوجودية , ومن ثم فمن ارتفعت عنه كل الأوصاف الوجودية لا يمكن أن يكون إلا معدوما (209)

-أنواع المضاف إلى الله , وأنه تارة يكون صفة وتارة يكون خلقا منفصلا (129) .

-إثبات صفة الكلام الإلهي , وقد وظف في هذه القضية أدلة عقلية عديدة (236 - 238) .

-إبطال أن يكون الكلام الإلهي مخلوقا (222) .

-إثبات توحد الصفات في مأخذ ثبوتها , وهو ما أطلق عليه مؤخرا (باب الصفات واحد) (278) .

-العلاقة بين الصفات والموصوف , وأنه لا يلزم من تعدد الأوصاف تعدد الموصوف (280) .

-العلاقة بين ثبوت العلم التفصيلي وبين المباينة للخلق (298) .

-الاستدلال على نفي الصفة بثبوت ضدها , فنفي العلم يستلزم ثبوت الجهل , وهو ما أطلق عليه مؤخرا (قاعدة السلب والإيجاب) (284) .

-العلاقة بين ثبوت المباينة الذاتية وبين الاتصاف بالإحاطة بالخلق (295) .

-إثبات صفة العلو الإلهي وإبطال فكرة الحلول المكاني التي تبناها الجهم بن صفوان , وفي شرح دليل هذه القضية يقول:"إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم , فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه , وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء , وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع , وهو قول أهل السنة" (300) .

فهذه التوظيفات للأدلة العقلية من الإمام أحمد تعد لبنة من أرسى اللبنات التي تقوم عليها المنهية العقلية في الخطاب السلفي , بل هي من أقدم الصور العقلية المنضبطة في تاريخ الفكر الإسلامي , ولكنها تحتاج من المتأخرين إلى تفهم واستثمار وتفعيل وتطوير , فالإمام أحمد وظف المنهج العقلي في النطاق الذي كان يتطلبه زمانه , وهذا لا يعنى أن نقتصر على نفس الدائرة التي خاض فيها , وإنما يتحتم علينا أن نتمثل روح المنهجية العقلية التي كان يعيشها , ونعملها في النطاقات المعرفية المحيطة بنا , وهذا ما نجح فيه ابن تيمية , فإنه كان في منهجيته العقلية معتمدا على ما قرره أحمد كثيرا , وإن كان قد استفاد من غيره كثيرا , ولكنه استطاع أن يتعرف على معالم المنهجية العقلية عند أحمد , وتبين طريقتها , فاقتدر على تطوير الدليل العقلي وعلى توسيع دوره في حل الإشكاليات المعرفية في زمانه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت