وحري بنا معشر المعاصرين أن نتمثل تلك المنهجية العقلية التي سار عليها الإمام أحمد , ونذل الجهد في تطويرها وتفعليها في تجاوز الإشكاليات المعرفية التي فرضها علينا عصرنا المشكل في تجلياته وتركباته , فليس هناك مدخل للشك في أنا نعيش واقعا مختلفا في تصوراته وتشكلاته عما كان يعيشه الإمام أحمد , كما عاش هو عصرا مختلفا عما عاشه الصحابة رضي الله عنهم , ومقتضى الاكتمال المنهجي والانضباط المعرفي أن نسعى في تطوير منهجنا العقلي , ونبادر إلى بناء هيكلة المعالم المنضبطة للممارسة العقلية , وهذا بالطبع لا يعنى الاستغناء عن نصوص الكتاب والسنة وعن آثار الصحابة رضي الله عنهم , وإنما هو تفهم لطبيعة المهمة التي يتطلبها عصرنا , كما تفهم الإمام أحمد المهمة التي كان عصره يتطلبها , فسعى إلى توظيف المنهج العقلي مع المحافظة التامة على تقديس النص المعصوم , فهل نستطيع أن نصنع مثل ما صنع الإمام احمد؟!!
ولا يعني كل ما سبق أن الإمام أحمد كان أكثر من غيره في حضور المنهج العقلي أو أضخم تفعيلا له , فإن علماء المدرسة الكلامية كانوا أكثر لهجا بالمنهج العقلي منه ومن غيره من علماء الحديث , وأوسع تطبيقا له في القضايا الدينية , ولكن هذا لا يعني أن المتكلمين قدموا النموذج الأمثل في المنهجية العقلية أو أن ممارستهم خير من ممارسة أحمد أو أكمل منها , فإن منهجيتهم العقلية وقعت في أخطاء عديدة , من أفتكها: استعمال الدليل العقلي في غير محله , فإنهم استعملوه في إثبات القضايا الضرورية كثيرا , وهذه القضايا لا يستعمل الدليل في إثباتها , ومنها: المبالغة في الاعتماد على الدليل العقلي وتنصيبه حاكما على الدليل النقلي , ومنها: الانطلاق من أن الدليل العقلي غير متضمن في نصوص القرآن , ومنها: التلبس بالأوصاف المنافية لفكرة الاستدلال , كالطول في المقدمات والغموض فيها وكثرة التشعب في سبلها.
وفضلا عن ذلك فالعبرة ليست في كثرة الاستعمال للدليل العقلي أو سعة ذكره؛ إذ لو كانت كذلك لكان المتكلمون خيرا من الصحابة رضي الله عنهم!؛ إذ هم أكثر منهم في استعمال المنهج العقلي , فليس الغرض أن نتغنى بالدليل الاعتماد على العقل أو تنماهى في الارتكاز عليه أو نستغرق في الاشتغال به أو نتطاول في بناء مقدماته أو نتوسع في الجدال حول صوره , وإنما الأهم من ذلك كله أن نستشعر ضرورة المنهج العقلي , ونعيش الروح العقلية ونسعى للنقيب عن التجارب العقلية المنضبطة , ونقوم بتطوريها , ونبادر إلى تفعيلها في ميادين المعرفة المحيطة بنا , مع المحافظة على منزلة النص المعصوم وحفظ قدره ,وبهذا نصل إلى رتبة الاكتمال المنهجي والتوازن الاستدلالي والإتقان المعرفي.