فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تطوُّرُ الخطاب السلفي واقترابُه من العامة في سهولة العرض والتناول، وإن بقي الخطاب السلفي محافظًا على رصانته في الجملة، بل بلغ الأمر إلى أن تبنى بعض دعاة التيار السلفي الخطاب باللغة الدارجة، ونتيجة لذلك استطاع المستمع العادي أن يميز بين موضوعات ما زال يراها كثير من المتابعين للدعاة السلفيين صعبة، وموضوعات الوعظ والقصص وغيرها، وإن كان المستمع الجيد الاستماع يستطيع أن يدرك بسهولة أن الوعظ السلفي القائم على الكتاب والسنة أبلغ أثرًا، وأنفع حالًا ومآلًا من الوعظ المسجوع المتكلف المفتقر إلى نور الكتاب والسنة.
وتزامن هذا مع وجود شغف عام في المجتمع لمعرفة أمور دينهم، وهذه الظاهرة في حد ذاتها لا يملك المتأمل فيها إلا أن يعترف أنها محض منة من الله -تعالى-، ولعله يكون من أسبابها تنامي روح العداء للإسلام في الغرب، وظهور مصطلح الحرب الصليبية على ألسنة الساسة الغربيين وحملات الطعن في الإسلام وفي محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وعلى الرغم من أن المقبلين على موائد الدعاة تفرقوا، فمن مفضل للدعاة ذوي الميول التوافقية مع الحضارة الغربية جوهرًا ومظهرًا، ومن مفضل لأصحاب الغرائب في الوعظ والقصص وتفسير الأحلام، إلا أن السواد الأعظم من الجمهور قد أقبل على الدعاة ذوي السمت السلفي، وأصبح الجمهور أكثر اطمئنانًا إلى الأخبار والقصص والفتاوى التي يجدها مدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة المعتبرين.
وصاحب هذا الإقبال الكبير على السماع للدعاة السلفيين وغير السلفيين درجة من درجات الاستجابة في التطبيق العملي، ففشا النقاب في أوساط لم يكن فاشيًا فيها، وكذا اللحية، ودور تحفيظ القرآن، وصلاة التراويح، بل وصيام النوافل على مدار العام، حتى ضارعت بعض أيام صيام النافلة أيام رمضان في خلو الطرقات من المارة وقت الإفطار ووجود التمر والعصائر في المساجد في صلاة المغرب، وغير ذلك من المظاهر الرمضانية.
ونتج عن هذا أن وجدت أنماط متعددة لكل مظهر من مظاهر الالتزام، فهذا النقاب الذي كاد أن يكون في الماضي طرازًا واحدًا لا يتبدل، صار له عدة أشكال، وطريقة قص تخطت في كثير من الأحيان حدود المباح.
ومن هنا تأتي الإجابة على السؤال: هل هذا حقًا هو زمن السلفية؟
وإليك الإجابة ملخصة في نقاط:
1 -هذا هو زمان العودة إلى التدين بصفة عامة.
2 -أن النموذج السلفي هو الأكثر قبولًا لدى الرجل المسلم العادي؛ لأنه يطلب منه ألا يكون عبدًا إلا لله، وألا يتخذ له متبوعًا سوى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن أسباب النفور من النموذج السلفي بدأت في التلاشي مع تطور أسلوب الخطاب عند الدعاة السلفيين، ومع ثبات من ثبت على الالتزام حتى زالت الوحشة بين الناس وبين مظاهر الالتزام.
وأن النموذج العقلاني يحمل في طياته أسباب سقوطه حيث يهدم كل رمز من رموز العقلانية ما بناه الآخر، بل ربما هدم الشخص الواحد في موضع ما بناه في موضع آخر.
ناهيك أن الصوفية وما هي فيه من خرافة خارج المنافسة أصلًا لاسيما في زمن يعاني الناس فيه من اللوثة المادية. أضف إلى ذلك قدرة التيار السلفي على التصدي لكل حملات التشويه والطعن في دين المسلمين بطريقة تخاطب العقل والقلب معًا، ويجد فيها عوام المسلمين ملاذًا من نيران الشكوك والشبهات التي يثيرها الأعداء.
3 -ولكن هذا لا يعني أن عوام الناس صاروا سلفيين، أو أنهم يدركون تفاصيل المنهج السلفي، فكثير من المستمعين الجدد إلى السلفية لا يعرفون تفاصيل قضايا الاعتقاد التي تحتل مكانة كبيرة في المنهج السلفي، فضلًا عن أن طريقة الكثير منهم في التطبيق فيها كثير من النقص والخلل، ربما سبَّب عبئًا على السلفيين أنفسهم، كنقاب الموضة الذي ينسب إلى السلفية وغيرها.
وهذه رسالة إلى المعنيين بشأن انتشار التيار السلفي:
فأما العلمانيون فنقول لهم:
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) (آل عمران:119) .
وأما السلفيون فنقول لهم:
أ- حقيقة لا تواضعًا، هذه الجموع ليست نتيجة لجهودنا نحن، بل نحن لم نبذل إلا القليل، ولكن هذا فضل الله على الأمة ككل.
ب- وحتى ولو فرضنا جدلًا أن هذه الجموع نتاج دعوتنا، فلا ينبغي أن نتوقف عند ذلك؛ لما في ذلك من تعريض العمل للحبوط وإيغار صدور المدعوين.
(يُتْبَعُ)