فهرس الكتاب

الصفحة 7867 من 28557

فيتبين أن محاربة الأقرب كان من أجل الخشية منهم على الإسلام، وقد يتغير هذا الاتجاه حسب الظروف والأحوال ولكنه دائما هو الاتجاه الذي يمثل الخطر الأقرب علي الدعوة، فقد يكون طرف العداء الأولى بالمواجهة هم الصليبيين في مكان والشيوعيين في مكان آخر وهكذا.

الافتراض الثاني:

وهو قيام التدافع بين طرف الحق الواحد وجميع أطراف الباطل، وهذا التدافع هو الذي يتحقق توازنه بصورة قدرية مباشرة لحفظ الحق الواحد أمام اجتماع أطراف الباطل، وهذا التدخل هو سنة هزيمة الأحزاب.

والمقتضى المنهجي لهذا الافتراض هو محاولة فك الارتباط بين أطراف الباطل المجتمعة، ولعل أبرز مثال لذلك ما فعله نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب حيث أوقع بين اليهود في المدينة ومشركي مكة بعد أن أستأذن النبي صلي الله عليه وسلم في ذلك فأذن له قائلا: خذل عنا إن شئت، وجميع أطراف الباطل المتعددة تقوم على معاداة الإسلام ولكن بمضمون نفعي دنيوي، وتعارض مصالح أهل الدنيا أمري حتمي ومن هنا ينشأ الصراع بين الأطراف المتعددة للباطل، وهذه الحقيقة تمنع المسلمين من الوقوع أمام الهزيمة النفسية أمام الكثرة الجاهلية المعادية للدعوة، لأنهم ليسوا على شيء، وأنهم معادون لأنفسهم ولا يكون لهم اجتماع إلا على الإسلام، وأن إجتماعهم على الإسلام يدفعه الله بقدره، وإذا كان الدعاء هو أساس النصر في كل أحوال المواجهة, فإنه في هذا الافتراض يبرز بصورة أوضح وأكبر, وذلك باعتبار أن الأمر هنا هو تدخل قدري، و لهذا كان ذلك الدعاء المعروف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب, وهازم الأحزاب أهزمهم انصرنا عليهم) كما في صحيح البخاري في كتاب الجهاد باب الدعاء علي المشركين.

الافتراض الثالث:

وهو قيام التدافع بين الأطراف المتعددة للباطل وهو التدافع المحقق للتوازن بين الحق والباطل باعتبار أن هذا التدافع يحقق اختصارا لأطراف الباطل ويهيئ الواقع لصالح طرف الحق. وأوضح الأمثلة هو القتال الذي كان قائما بين الروم والفرس.

والمقتضي المنهجي لهذا الافتراض هو نفس ما جاء في القرآن الكريم بالنسبة للقتال الذي كان دائرًا بين الروم والفرس وهو المتابعة والتقييم: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ.

وهذا المثال دليل على التقييم العقيدي لأطراف العداء حيث كان الفرس أشد عداء من الروم المنتسبين إلى أهل الكتاب، وهذه القاعدة تتطلب منا أن نملك التصور السياسي للواقع العالمي؛ لكي نتمكن من المتابعة الصحيحة والتقييم الصحيح للقوي العالمية وعلاقتها، والأحداث التي تكون بينها، وأثر ذلك كله علي واقع الدعوة الإسلامية بصورته المباشرة وغير المباشرة، ومن المثال التاريخي البعيد (الروم والفرس) إلى المثال التاريخي القريب وهو الحرب العالمية الأولى والثانية التي أنهكت القوى الجاهلية المعادية، وكذلك الحروب الأهلية الأمريكية وكذلك الحروب المذهبية بين الطوائف النصرانية وغيرها كثير التي نفهم من دراستها أن المسلمين يحاربون الآن بقايا هذه القوى.

وليكن مفهوما أن هناك حقيقة خطيرة في المقتضى المنهجي لعلاقة الصراع بين أطراف الباطل وهي أن موقف أصحاب الدعوة الصحيح هو الذي يحقق آثارا جوهرية في أحداث العالم؛ وذلك بصورة قدرية خالصة وتامة؛ وهذا لأن صواب موقف اصحاب الدعوة هو الذي ينشيء استحقاقهم للنصر والغلبة، وأن نشأة هذا الاستحقاق تعني تهيئة ظروف العالم وواقعة لحدوث هذا النصر؛ وتلك الغلبة وهذا ما فهمه الصحابة من دلالة انتصار الروم علي الفرس.

الافتراض الرابع:

تعدد الحق في أطراف مختلفة (يعني واقع الفتنة) .

وهذه الحالة تفرض علينا أن نعرف كيف يتم التدافع بين الحق بتعدده في الأفهام واختلاف مواقف أصحاب الدعوة في مواجهتهم للجاهلية، فيجب تحديد طرف الدفع الإسلامي المعتبر في المواجهة، ومن هنا يلزم كضرورة للمواجهة تحديد الإطار الفكري لتحديد الكيان الصحيح للمواجهة، والإطار الأساسي لهذا التحديد هو قضايا حد الإسلام"قضايا الحكم والنسك والولاء".

ويضاف إليها كل قضايا الفكر المستفادة من خبرة التحرك بقضايا حد الإسلام في الواقع، وقد سبق تقرير أن الفكر في تطوره مع الحركة مستفاد من خبرة الحركة وأن تحديده يكون باعتبار أصحابه؛ فيصبح أي فكر ناشئ عن خبرة عملية مستفادة من مواجهة صاحبه مع الجاهلية .. داخلًا في إطار الفكر الحركي.

وكما تحدد الإطار الفكري للكيان الصحيح في المواجهة يتحدد الإطار الحركي، والإطار الأساسي لهذه الحركة هو التبليغ بالكلمة واستخدام القوة وقيام السلطة؛ وبذلك يتحدد إطار الحركة الصحيحة التي تنشأ من خلالها العلاقة الجدلية الصحيحة مع الفكر.

ومعنى هذا التحديد: أن أي كيان لا يتبنى أسلوب التبليغ وإقامة الحجة ورفع الالتباس وتصحيح المفاهيم وأسلوب المواجهة القوية الهادفة إلى إقامة السلطة الإسلامية .. أي كيان لا يتبنى هذه الأساليب يكون خارجًا عن إطار التحديد السياسي للحركة ...

أما ماورد عن قتادة في القرطبي فهو الذي يمثل أساسا تصوريا عاما للتدافع ففي تفسير الآية (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) وهو قوله"والحقّ كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب."

طرفي الصراع هما الحق"القرآن"أمام الباطل"إبليس"

* داعية إسلامي مصري.

منقول عن موقع"قاوم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت