فهرس الكتاب

الصفحة 26588 من 28557

عندها قلت لا إله إلا الله .. كل نجوى بني آدم لا خير فيها إلا في هذه الثلاث!! فأين كلام هؤلاء المأتمي من الصدقة القولية، وهو يروج لباطل وزور في رشفة من خير؟

أم أين كلامهم من المعروف القولي، وهم يتهمون كل من ناقد لتراث الراحل بالضيق والتقوقع واللاعقلانية؟

أم أين هو من الإصلاح بين الناس، وهم قد أوقدوا قلوب الناس ومشاعرهم بتعظيم من يسعى في هدم أخراهم؟

فلا صدقة ولا معروف ولا إصلاح .. فهو مما لا خير فيه والله .. ويجد المتابع لذلك من ضياع الوقت والمشاعر مما لا يستحق أن تضيع فيه ..

بعد ذلك عدت من هذه الروحانية التأملية لأجمع ذهني مرة أخرى لأسلك في سياق هذه التلاوة العذبة، بعد أن شتتني هذه الصدمات الإيقاضية ..

فوالله ما إن جمعت نفسي حتى تهاااااااوت عند عظمة القرآن البيانية، فيالله ما هذا التماسك المعنوي، ويالله ماهذا السياق المنطقي:

{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 123 - 124]

ماذا عساي أن أقول لكم .. ليست الأمور كما نتنمى ونحب، فمهما تمنت نفوسنا ومهما تطلعت رغباتنا، ومهما كتبت أقلامنا، ومهما ترحمت ألسنتنا، ومهما تباكت عيوننا .. فالأمر ليس كما نحب، ولا كما نتمنى، ولا أيضًا كما يتمنى الغربيون النصارى ولا اليهودية العالمية، ممن استفادوا من تلكم المشاريع الخيرية .. فليس ثمت إلا أمر واحد، إنها حقيقة أخروية ومعادلة منطقية .. يستوي فيها البشر .. الشريف والوضيع .. الرئيس والمرؤوس .. حقيقة تقول العمل السيء يجازى به صاحبه .. ولا نصير ولا ولي من دون الله، ومن كان عمله صالحًا فيجزى به أيضا، ولا يظلم أحد شيئا .. انتهت ..

بعد هذا التهاوي العقلاني والوجداني أطرق رأسي عاجزًا عن التركيز، حيث عصفت به تلك المعاني القرآنية ..

ثم بعد هذا التصوير والتكييف الدقيق لهذه القضية، وبعد أن جاء الحكم فيها واضحًا جليًا، يقول الباري منهيًا هذا المقطع العظيم بخلاصة توجيهية فريدة:

{ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125]

الفوز كل الفوز بأن تسلم روحك للرفيق الأعلى وهي محسنة باتباع ملة إبراهيم الخليل .. فهونوا على أنفسكم واربئوا بها فالأمر أبسط من ذلك .. ولن تغير هذه السجالات الدفاعية من الواقع الأخروي شيئًا .. والسعيد من وعظ بغيره ..

يقول السعدي رحمه الله:

"وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان" [205] .

وهنا ختم القارئ المبارك - حفظه الله - قراءته لهذه الليلة الرطبة .. فلما انتهت صلاتنا .. أخذت نفسًا عميقًا ثم رفعت رأسي وقلت:

سبحان الملك القدوس .. سبحان الملك القدوس .. سبحاااااان الملك القدوس رب الملائكة والروح ..

محمد العلي

رمضان 1431

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت