جاءتني الفرصة من أوسع أبوابها لمزيد من الحوار حول أفكار هذا المفكر الاقتصادي العجيب وحياته .. استغرق الحوار فيما بيننا شطرًا كبيرًا من الليل دون ملل .. فعلمت كثيرًا عن حياته ومنطلقاته الإنسانية .. وأنه صاحب رؤية اقتصادية إصلاحية .. وأنه ليس وحيدًا في هذه الرؤية .. وإنما يشاركه فيها كثيرون مثله من أحرار الفكر في بريطانيا وكندا واستراليا وفي دول أوربا .. إنهم يدعون إلى بناء منظومة اقتصادية جديدة متحررة من (الفائدة) .. وإلى أسلوب مختلف في خلق النقود غير مؤسّس على الديون .. فلما لمس شدة اهتمامي بهذه الأفكار الجديدة قال: أظن أنني أعرف مصدر اهتمامك هذا، إنه (إن لم أكن مخطئًا في تقديري) عقيدتك الإسلامية التي تحرّم الربا أليس كذلك .. ؟ فأجبت: بلى .. لقد أصبت الحقيقة .. ولكن ما يدهشني حقًا أنك بجهدك العقلي وتوجّهك الأخلاقي - متحررًا من أي أيدلوجية إسلامية مسبّقة - قد توصّلت إلى نفس النتيجة ...
كان حوار مثمرًا وممتعًا بلا شك .. سمّه إن شئت حوار حضارات أو حوار أديان أو حوارًا إنسانيًا خالصًا لوجه الله والحقيقة .. ففيه شيء من كل هذا .. بلا قصد ولا ترتيب سابق ولا مؤتمرات دولية ... !!
اللامعقول في ديون العالم المتقدم:
أول ما يصدمنا من حقائق في هذا الكتاب هي فداحة الديون التي تثقل هذا العالم المنكوب .. فهل تصدق مثلًا أن دول العالم كلها مدينة .. وليس فقط الدول الفقيرة أو دول العالم الثالث .. بل إن أكثر الدول ديونًا هي الدول الأغنى والأكثر إنتاجًا وتقدّمًا .. وأن هذه الديون لا تتناقص أبدًا بل في صعود مستمر .. ومن ثم وصف المؤلف هذه الحقيقة بأنها .. (اللامعقول واللامنطقي .. الذي يصعب على العقول فهمه) .
من أمثلة هذا اللامعقول أن بريطانيا مدينة بمبلغ 400 بليون جنيه إسترليني، وتبلغ ديون كندا 650 بليون دولار .. وألمانيا مدينة بأكثر من خمسين بليون مارك .. واليابان 2 تريليون دولار .. أما أمريكا ففي القمة بدين بلغ أكثر من 5 تريليون دولار ...
يقول (روبثام) : هذا الدين الهائل المتصاعد يتناقض تناقضًا صارخًا مع وجود ثروة حقيقة واضحة في هذه الدول .. علمًا بأن هذه الأرقام لا تمثل سوى جانبًا من الديون يطلقون عليه اسم: الديون العامة أو ديون الدولة .. فإذا أضفت إليها الديون الخاصة (المتعلقة بالأفراد والشركات) تجد نفسك أمام أرقام فلكية .. على سبيل المثال: مجموع الديون العامة والخاصة في أمريكا بلغ 26 تريليون دولار .. [ولست أزعم أنني أعرف كم صفرًا ينبغي وضعها على يمين رقم (26) هذا ليبرز حقيقته] ... ولكنني على يقين أنه رقم مفزع .. كما أعلم أنه يستحيل تسديده لأسباب كثيرة .. لعل أبسطها أن مجموع ما في بنوك أمريكا والعالم وما في خزائن الشركات وجيوب الأفراد من دولارات (حقيقية) لا يبلغ خُمس هذا الرقم .. وهذا واحد من أكبر الألغاز الخفية في عالم الاقتصاد الحديث ...
يتساءل روبثام: إذا كانت دول العالم - بلا استثناء - مدينة فإن هذا مبرر لنا لكي نعتقد أن العالم بأسره في حالة اقتصادية مزرية .. وهذا أمر يبدو غير منطقي وغير مفهوم وهو يسلمنا إلى تساؤل آخر: إذا كان العالم كله مدين فمن هو الدائن؟ ومن أين جاءت كل هذه الديون .. ؟!.
وهذه ألغاز أخرى تحفل بها جعبة الاقتصاد العالمي ...
وماذا نقول عن دول العالم الثالث التي ترزح تحت أعباء ديون رهيبة وتطحنها مشكلات الفقر والجوع والتخلّف .. ؟ لقد أسلمت هذه الدول زمام قيادتها إلى الدول المتقدمة فأخذت تقلّد وتبني مؤسساتها المالية والاقتصادية على غرار مثيلتها في هذه الدول .. ويقال لشعوبها: اكدحوا في العمل والإنتاج والتصدير وسوف تتخلصون من الديون وتتحررون من الفقر وتصبحون مثل أمريكا .. ! ولكن أحدًا لا يذكر لهم حقيقة أن أمريكا هذه هي أكبر دولة مدينة في العالم .. فهل هذه حالة عبثية أم أننا لا نحسن فهم ما نراه .. !
إن الدول المتقدمة تشهد صعودًا مستمرًا في الإنتاج والثروة وهناك تقدم تكنولوجي مستمر يساعدها على تعظيم قدراتها الإنتاجية بأرقام هائلة .. فلماذا لا نرى الانعكاس المالي لهذه التنمية الهائلة في الواقع الاقتصادي .. ؟
بل إننا نلاحظ مع تعاظم الثروة زيادة في حجم الديون .. حتى أن بعض الاقتصاديين يعتبر زيادة الديون من مؤشرات التقدم .. !
(يُتْبَعُ)