فهرس الكتاب

الصفحة 12104 من 28557

كان من المفترض وفقًا للمبادئ الاقتصادية المتداولة أن النقود وسط طبيعي ومقياس دقيق يعكس حقائق الواقع الاقتصادي .. ولكنها في الحالة التي عرضناها لا تفعل هذا .. فهناك ندرة مزمنة في النقود حتى أن الدول المتقدمة تقلّص ميزانياتها بحجة عدم توفر المال الكافي .. إذن لابد أن يكون هناك خلل جوهري في المنظومات المالية .. خلل يجعلنا نفقد الثقة في كثير من المبادئ والمسلمات الاقتصادية ...

الندرة النقدية في الدول الغنية:

هذا إذن لغز آخر جديد في المنظومات الاقتصادية .. وأعنى به (الندرة النقدية) في مجتمعات متقدمة تتمتع بالثراء ووفرة الإنتاج .. فإذا انتقل المؤلف إلى تفسير هذا اللغز نُصدم بحقيقة أخرى عندما نعرف السبب .. وهو أن النظام النقدي قائم على أساس من الديون، وبتعبير مباشر وأكثر دقّة يقول: (إن النقود تنشأ في توازِ مع الديون .. ذلك لأن خلق النقود وتداولها متروك في أغلبه للبنوك التجارية إلى جانب بعض مؤسسات الإقراض الأخرى .. ويظن أكثر الناس أنهم عندما يذهبون للاقتراض من البنك فإنهم يقترضون أموال أناس آخرين سبق أن قاموا بإيداع نقودهم في البنك .. وهذا لا يمثل إلا جزءًا ً ضئيلًا من الحقيقة .. فالصحيح هو أن نقود القرض لا تكون بالضرورة موجودة بالبنك لحظة طلبها .. وإنما هي تنشأ ابتداءً عندما تتم عملية القرض .. فالبنك بعملية القرض لا ينقص وإنما يضيف إلى رصيده نقودًا جديدة لم يكن يملكها قبل القرض .. والمسألة كلها لا تخرج عن كونها أرقام في سجلات تنتقل بين(خانتي) دائن ومدين .. !

أعترف أنني عندما قرأت هذا الكلام لأول وهلة لم أستطع أن أستوعب أو أستسيغ هذه الحقيقة الغريبة .. وقلت لنفسي لابد أن هذا المؤلف يهزأ بعقلي .. ولكن حيرتي بدأت تتلاشى تدريجيًا كلما تعمّقت في قراءة الكتاب .. ففيه أمثلة شارحة أشير هنا إلى بعضها: جاء في تقرير (بنك انجلترا) سنة 1997م تقديرًا لجملة النقد الوطني بمبلغ 680 بليون جنيه إسترليني، فإذا علمت أن وزارة المالية البريطانية قد أصدرت من هذا المبلغ 25 بليون جنيه فقط، فمن أين جاءت بقية المبلغ ومقدارها 655 بليون جنيه إسترليني .. وهو يمثل 97% من جملة النقود المتداولة في الاقتصاد البريطاني؟ ..

والإجابة ببساطة أن الذي خلق هذه النقود هو البنوك التجارية وأن هذه الكمية الهائلة من النقود نشأت من لا شيء، وسوف يصاب الناس بالذهول لأنهم يعلمون أنه إذا فعل هذا واحد منهم اعتُبر مزيّفًا للنقود .. وليس لمرتكب هذه الجريمة إلا السجن يقضى فيه بقية عمره .. والفرق الوحيد بين جريمة التزييف وما تفعله البنوك أن النقود التي تخلقها البنوك ليست هي الأوراق النقدية ولا العملات المعدنية التي تصكّها الحكومة .. وإنما هي نقود غير حقيقية أو غير طبيعية .. تمثل قيمة الديون والعقارات والأراضي المرهونة لدى البنك (فيما يسمى بالرهن العقارى) ... [وما أدراك ما الرهن العقارى؟! إنه البركة الآسنة التى يخوضها الاقتصاد الأمريكى منذ عدّة أشهر .. ويكاد الآن يغرق فيها] ...

والمعنى المستخلص هنا هو أن الحكومة تعتمد في خلق النقود اللازمة لتسيير الاقتصاد على وقوع أبناء شعبها في الديون .. ومعناه أيضًا أن كل جنيه [استرلينى طبعا] موجود سواء في التداول أو في حساب بنكي هو دين معلّق في رقبة شخص ما أو مؤسسة أو شركة أو حكومة ...

وقد يعترض بعض الناس فيقول: إذا كان خلق النقود بهذه الطريقة متروك للبنوك فلابد أن يكون هناك سبب وجيه لذلك .. ويرد المؤلف على ذلك بقوله: (على العكس من هذا تمامًا) فليس هناك أي سبب لذلك .. بل أكثر من هذا توجد أدلّة لا حصر لها على الآثار المدمرة لهذه الطريقة في خلق النقود المعتمدة على القروض وما يترتب عليها من فوائد مركبة .. ليس في حياة الأفراد فحسب بل في حياة الشعوب والدول أيضًا ...

الشراء بالرهن (والرهن العقاريّ) :

ويسمى اصطلاحًا Mortgage وهي عبارة فرنسية الأصل معناها (رهن الموت) أو (قبضة الموت) وهي الترجمة الحرفية باللغة الإنجليزية التي اختارها المؤلف عنوانًا لكتابه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت