فهرس الكتاب

الصفحة 23297 من 28557

خطر الافتراق علميٌ منهجي أو عمليٌ سياسي وقد يجتمعان: وإن أهمية التمييز بين أنواع الافترق المذكورة آنفًا تتمثل في معرفة مناط الخطر من هذا الافتراق أهو الأمن العقدي العلمي الذي يُخشى أن يفتتن الناس به في دينهم.

أم هو الأمن الحسي الجماعي الذي يُخشى أن يتخطف به الناس من أمنهم واستقرارهم.

فهذا الافتراق ليس مسألة جماعة من الناس اختارت لنفسها رأيًا أو طريقًا خاصًا يحتمل السكوت عنه تحت تأثير وَهم حرية الرأي والتعبير، وإنما هو خطر حقيقي يضر بأمن المسلمين علميًا وعمليًا.

فأما الضرر العلمي العقدي فهو ما يدخل على قلوب المسلمين من شبهات تشكك في العقيدة وتنكت النكت السوداء في القلب، ولقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسلك حين مارسه طائفة من أعداء الدين الأصليين حين كانت الدعوة في مهدها، تأمل معي قوله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران - 72] ، وهكذا أهل الافتراق البدعي يوهمون الانتساب إلى منهج الحق والسير على الصراط المستقيم ويحشدون في التدليل على ذلك حشود متشابه القرآن والسنة الموضوعة إن أعياهم تأويل الصحيحة، فإذا هم يضللون ويلبسون على الناس دينهم لعل الناس يرجعون عن جادة الحق ويتبعون سُبُل أهل الأهواء.

واعلم أن الغالب في منهج أهل الفرقة والهوى هو لَبس الحق بالباطل كما كان منهج الأمة الغضبية والضلالية أعني اليهود والنصارى حيث قال تعالى: {يا أهل الكتاب لم تَلبِسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران 71] ، وأما الضرر العملي فحسبك عليه منبهًا قوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب اللهَ ورسولَه من قبل وليحلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} [التوبة - 107] ، وتأمل حولك اليوم لترى كم من مساجد الضرار وكم من هيئات الضرار وكم من فتاوى الضرار يطلع علينا بها عُبَّاد الأهواء من المنظرين لجماعات الافتراق والتفريق الذين قطَّعوا الأمة إربًا إربًا تحت شتى رايات البدع والضلال، فتأمل.

وإذا عجبت فالعجب لا ينقضي ممن يكيل التهم لأهل الحق ويتهمهم ببذر بذور الفتنة والشقاق حين ينبهون أهل الأهواء من غفلتهم أو يفضحونهم حين يصرون على ما هم سادرون فيه، ويتجاهل عمدًا أو سهوًا الإنكار على المتسبب في وقوع الفرقة أصلًا فمثل هؤلاء كمثل من ينكر على من صاح على القاتل ولا ينكر على القاتل نفسه، فتأمل.

وأما اجتماع الخطرين فيحدث حينما تكون لأهل الافتراق المنهجي شوكة تعكر على جماعة المسلمين صفو دينهم وأمنهم، ولعل الطامة الكبرى تكون حين يلجأ بعض أهل الفرقة والهوى اليوم إلى التماس الشوكة من أعداء الإسلام المتربصين كجحافل الصليب المستأسدة فيرتمون في أحضانها طلبًا للشوكة والمنعة ويتجاهلون استحالتهم أدوات طعن في جسد هذه الأمة التي تزعمون الانتساب إليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

القاعدة الثالثة:

أتباع منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتحنون الناس: قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء -94] ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته) [صحيح البخاري] ، قال الحافظ ابن حجر في شرحه: (وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر , فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور الحال باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم والله أعلم) [مجموع الفتاوى4/ 331]

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت