فهرس الكتاب

الصفحة 23298 من 28557

فالحاصل أن أتباع منهج الصحابة يأخذون بظواهر الناس التي قررها الشرع ولا ينقبون عما في قلوبهم ولا يمتحنون الناس بسؤالهم ماذا تقول في كذا وماذا تعتقد في كذا، وإنما هذا التفتيش والامتحان مسلك أهل البدع لأنهم محتاجون إلى هذا القمع حيث أعوزهم الدليل الشرعي والحجة العقلية، وهذا كله حيث بقيت هذه البدع مستورة في قلوب حامليها فلا ينقب عنها، أما إذا أظهر أهل البدعة بدعتهم فذاك مقامٌ آخر من حيث الإنكار الشرعي بضوابطه المعروفة.

القاعدة الرابعة: توعد أهل الافتراق والبدع بالنار لا يستلزم كفرهم:

وهذا مما ضل فيه كثير من الخلق حيث نظروا إلى ظاهر قوله صلوات الله وسلامه عليه في حديث افتراق أمته: (كلها في النار إلا واحدة) ، فهالهم أن تكفر - بزعمهم - اثنتان وسبعونفرقة من أمته صلى الله عليه وسلم ولا تنجو من الكفر إلا فرقة واحدة، والحق أن ذكر النار في الحديث من باب الوعيد.

والوعيد كما أنه يصح لأهل الكفر يصح لعصاة الموحدين وأصحاب الكبائر من أهل القبلة، فإذا عُلم هذا فليعلم كل مسلم أن أهل النجاة هم أتباع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم وتطبيق الكتاب والسنة، وكل من عداهم قد سلكوا من الضلال مسلكًا قد يقف بهم عند حدود المخالفة والفسق فيكون وعيدهم بالنار من جنس وعيد عصاة الموحدين من أصحاب الكبائر، وقد يفضي بهم مسلك الضلال إلى مهالك الكفر فيكون وعيدهم بالنار من جنس ما وعد الله تعالى به الكفار والمشركين والمنافقين.

وبهذا التفريق والتمييز يندفع الإشكال المتوهم من أن أتباع منهج السنة والجماعة يكفرون غيرهم من المنتسبين إلى القبلة، ولهذا فإن من أهل الفرق والأهواء من يشبه حاله حال شارب الخمر أو مرتكب الزنا فيُنظر إليه بعين الشفقة بغية استنقاذه مما هو فيه، وهؤلاء أيضًا على مراتب بل قد تجد في بعضهم من الحب والحمية للدين ما لا تجده عند غيره من أصحاب الانتساب الصحيح للمنهج مع قصور في الهمة أو الحمية للدين،

ولعلك تجد أوضح مثال ٍ على ذلك أن الإمامين الجليلين البخاري ومسلم قد خرَّجا في صحيحيهما لبعض من رُمي بشيء من البدعة لا يكفر بها أعيانهم وما ذلك إلا لما تحققوا فيهم من الصدق والأمانة في الدين بحيث إنه أهون على أحدهم أن يشق نصفين من أن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل هؤلاء يجب الحذر من الزمرة الثانية من أهل البدع والأهواء الذي هوت بهم ضلالاتهم في أودية الكفر السحيقة وأرادوا أن يُردوا معهم فئام من أمة التوحيد، وهؤلاء على الجملة هم المنظِّرين والمقعِّدين لهذه الضلالات وهم رؤوسها وكبراؤها وكُتَّابها ودعاتها.

وإلى أمثالهم يتوجه جهاد البيان وقد يرى الإمام إعمال السيف في رقاب بعض منهم كما أمر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم في بعض رؤوس الكفر ممن طعنوا في الإسلام وفي النبي صلى الله عليه وسلم فكان قتلهم لأجل هذا الطعن والفتنة التي أحدثوها لا لمجرد الكفر الذي تلبسوا به، فتأمل.

القاعدة الخامسة: مكافحة أهل الأهواء والبدعة والفرقة علمية وعملية:

وهذا مهم جدًا ويدور مع طبيعة الافتراق الحاصل كما بينا في القاعدة الأولى، فحيث كانت الفُرقة علمية منهجية كانت مجاهدتها بالحجة والبيان، وحيث كانت الفُرقة عملية حسية كانت منازلتها بالشوكة والسنان، ولا يستلزم القتال والقتل في الأخيرة تكفيرًا ولا خروجًا عن الملة وإن كان يحتمله بحسب حال الأصل البدعي المفارَق عليه؛ ولعل بعض الأمثلة التاريخية توضح هذا الأمر؛ فمكافحة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج انطوت على شق علمي حيث بعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليناظرهم ويخاصمهم بالحجة وكانت أقوى حججه عليهم أنهم ليس لهم سلف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الكبائر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت