فهرس الكتاب

الصفحة 23299 من 28557

وشق عملي تمثل في مقاتلة من أصر منهم على استباحة دماء المسلمين ببدعتهم هذه فكان قتاله إياهم من جنس قتال أبي بكر الصديق للمرتدين كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الخوارج: (لئن أنا أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) [صحيح البخاري] ، ثم تأمل في قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمتنعين عن الزكاة فمنهم من امتنع جحودًا بها فكان قتالهم لردتهم، ومنهم من أقر بها ولكنه تأول عدم استحقاقها لغير الرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلهم لامتناعهم لا لكفرهم وهو ما يُعرف في فقه السياسة الشرعية بقتال الطوائف الممتنعة.

فتأمل هذه الفروق الدقيقة وهذه التنوعات المسلكية في مكافحة البدعة والفرقة. وهنا أمر تجدر الإشارة إليه وهو أن هذا التنوع المسلكي في مكافحة البدع والأهواء يعني أن أهل الحق لا يعدمون في وقت من الأوقات طريقًا لمكافحة البدعة وقمعها إن بالسنان تحت راية إمام وشوكة فبها ونعمت، وإن باللسان وقفةً حنبليةً ينصر الله بها الدين فبها ونعمت، والحاصل أنه ليس لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يضعوا السلاح في وجه البدعة والأهواء ما تعاقب الليل والنهار، فتأمل.

إذا عُلم ما تقدم فإن منهج التعامل مع أهل الفرق والأهواء الذي تقدمت بعض معالمه إنما ينطبق في أكمل صوره على حالة الاستقرار السياسي العقدي للأمة بحيث يكون للأمة إمام تقوم به شوكة الدين ويعلو به عَلَمُ السنة، أما والحال كما ذكرنا من سياقات ضاعت فيها الإمامة الشرعيةواستباحت بيضةَ الدين فيها جحافلُ الحربيين الكفرة في جزء من بلادالإسلام وتربصت جحافل أخرى بما تبقى منها، فكيف يكون مسلك مكافحة البدعة والفرقة، وأين أولوية قتال أهل الافتراق حفاظًا على أمن الأمة السياسي من قتال جحافل الكفر التي تتهدد الكيان السياسي للأمة برمته؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات تقوم على أساس التمييز بين ما يختص بالثوابت العقدية الراسخة القائمة على التوقيف المطلق وبين ما يتعلق بفقه السياسة الشرعية القائم على أساس موزانة المفاسد والمصالح درءًا وجلبًا على الترتيب.

والأصل فيما سنعرض له من معالم هذا المنهج يقوم على التفريق بين مقام النهي في قوله تعالى: {فلا تطع المكذبين * ودوالوتُدهن فيدهنون} [القلم - 8 - 9] ، وبين مقام الرخصة في قوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران -28] ، إنه التفريق بين مقام المداهنة المنهي عنها شرعًا ومقام التألف والمداراة المرخص به شرعًا.

وفيما يلي تقرير بعض معالم منهج التعامل هذا:

أولًا: لا مداهنة في مسائل الاعتقاد:

إذ أن الغاية من كل ما نجاهد لأجله هو الحفاظ على هذا المعتقد، وكل ما نسعى إلى تحقيقه من الاجتماع الحسي السياسي وإقامة قلعة الإسلام وأمة الإسلام إنما هو من جنس الوسائل، وإنه لمن السفه بمكان أن نفرط في شيء من المقصد وهو مجموع مفردات العقيدة بحجة المحافظة على وسائل حمايتها.

تأمل معي حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ولَيُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة - وهو راوي الحديث: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا) [ابن ماجة - كتاب الفتن وصححه الألباني رحمه الله] ،

والشاهد هنا أن كلمة التوحيد هذه هي مناط النجاة ولو انفرط عقد الجماعة ولو ضاعت معالم الأمة بحيث لم يبق منها إلا أطياف من البشر متناثرين هنا وهناك، ولن تجد نصًا في الكتاب ولا السنة يشير إلى مجرد اجتماع الناس في صورة أمة أو جماعة أو دولة يحقق لهم النجاة بمنأى عن العقيدة، ولهذا يجب أن يستقر في أذهاننا أن مفردات العقيدة ثوابت راسخة لا يصح أن تكون مجال مداهنة أو تنازل مهما كانت الحجة والمبرر كالتذرع بالمحافظة على الجماعة وعدم تشرذم الأمة ونحو ذلك مما يسمى المصلحة الوطنية والوحدة الوطنية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت