فهرس الكتاب

الصفحة 23300 من 28557

واعلم أنه مهما أمكن الموزانة بين تحقيق الاجتماع الحسي والسلامة في المعتقد فقد وجب ذلك، وأنه مهما ألجأ الواقع إلى التفريط بأحدهما دون الآخر فلا مندوحة عن تفويت كل ما عدا ثوابت العقيدة في سبيل الحفاظ عليها.

وتأمل معي كلام الله تعالى حكايةً عن إنكار موسى عليه السلام واقعَ الشرك الذي تلبَّس به بنو إسرائيل: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعنِ أفعصيت أمري * قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرَّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه 92 - 94] فها هو نبي الله هارون عليه السلام يرجح كفة الاجتماع ويحاول قدر الإمكان استيعاب بدعة الشرك التي جاء بها السامري.

ولربما عذر موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام اجتهاده ولكنه لم يقره عليه البتة حيث انصرف للتو يطهر هذه الجماعة من رجز الشرك ولوثة العقيدة، تأمل: {قال فما خطبك يا سامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضةً من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدًا لن تُخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنحرقنَّه ثم لننسفنه في اليم نسفًا. إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا} [طه 95 - 98] .

فلم يراع موسى عليه السلام أمام تهديد أمن العقيدة أي شيء آخر فالسامري صاحب فكرة وأتباع يُخشى بمجابهته انفراط عقد الجماعة ولكن إذا تعين ذلك لحفظ العقيدة فلا ضير، والعجل له عُبّاده ومريديه [وما أكثر عجول اليوم] وربما أدى تحريقه إلى انفراط عقد الجماعة ولكن لا ضير، صلوات الله وسلامه على كليم الله ما أشد غضبه للحق وفي الحق وبالحق، ألا فليعلم كل مسلم أن لو استلزم الأمر التضحية بكل سامري وخسارة كل عابد عجل في مقابل تحقيق أمن العقيدة ألا فليكن، ألا ولبئس الجماعة التي تحتضن شاكلة السامري وأتباعه بل أي معنى يبقى للجماعة إذا كان مدار تأليف القلوب الإقرار بالشرك بالله أو السكوت عليه على أقل تقدير ...

ثانيًا: المداراة مشروعة لدفع الضرر ودرء المفسدة فتقدر بقدرها:

وهذا من أبجديات فقه السياسة الشرعية، ولتعلم أن الضابط في مشروعية المداراة غياب شوكة أهل الحق، وأن الضابط في حد المداراة ومداه ما يندفع به الأذى والضرر عن جماعة المسلمين فحسب، فتنبه لهذا فإنه دقيق جدًا، وبالغفلة عنه ينجرف البعض في تيارات المداهنة والتمييع والملاطفة ليصبح حاله حال من غصَّ فكاد يختنق فشرعت له شربة خمر متعينة لتذهب غصته فإذا به يسترسل في زجاجة الخمر سادرًا متمتعًا! والحاصل أنه لا يجوز أن يتحول الإذن بالمداراة المرتبط بالضرورة الملجئة إلى مجال تنازل عن شيء من الثوابت العقدية التي إنما فارق أهل البدعة أهلَ السنة بتركها.

ففرق بين أن تداري وتتألف قلوب فرقة ضالة لها شوكة يُخشى أن يتضرر منها جماعة المسلمين وبين أن نلغي هذه الأسس العقدية التي افترقنا عليها ونعلن للناس أنه اختلاف بسيط لا يفسد للود قضية وأن التقارب والتقريب بين الفريقين مشروع بل مطلوب بحجة وحدة الصف، وحسبك مثالًا واضحًا اليوم ما تزل به أقدام العديد من حملة العلم المنتسبين إلى السنة من الإعلان بمشروعية ومندوبية - بل ربما وجوب - التقريب مع أهل الرفض، ولا أعني بأهل الرفض عوامهم بل منظريهم وعلماءهم وسادتهم ممن يعلمون حقيقة الفساد العقدي الذي يُضلون الخلق به.

وقريب من هذا المجال من يتمادى مع منظري وكبراء العلمانية بحجة وحدة الصف الوطني ثم يتخذ من مشروعية المداراة ذريعة لذلك، وغفل هؤلاء أو ما دروا أن هذه المداراة ما شُرعت إلا حيث تعينت طريقًا للحفاظ على سلامة أهل السنة باعتبارهم حملة منهج الحق لا باعتبار ذواتهم وأشخاصهم، فمهما أفضت المداراة إلى تمييع منهج الحق أو تضييع شيء من ثوابته لم تعد مشروعةً البتة، وهذا كله يعود إلى الأصل القرآني فيما أبيح للضرورة حيث قال تعالى: {فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه} [البقرة - 173] ، فمن تجاوز المدارة إلى المداهنة فقد بغى واعتدى وخرج عن حد الإباحة قولًا واحدًا. ثم اعلم رحمك الله أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لما كان يفضي إليه من منكر أعظم هو الضرر المترتب على ذلك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت