فهرس الكتاب

الصفحة 27466 من 28557

الحاصل أن الصحوة الإسلامية حاربت لكي تثبت في الأذهان قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7) ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات:1) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) (متفق عليه) .

وقول الإمام مالك:"كل يؤخذ من قوله و يترك إلا صاحب هذا القبر، يعنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

ولم تقف الصحوة الإسلامية أمام ألقاب رنانة، سواء تلك التي أعطيت لأناس مغرقين في الضلالة كـ"ابن عربي"الملقب عند إتباعه بـ"القطب الأكبر"و"الكبريت الأحمر"، ولا بمن خلصت إمامته في باب وخلط في أخر كـ"الإمام الغزالي"الملقب بـ"حجة الإسلام"، فضلا عن من حصلوا على ألقاب معاصرة من شهادة الدكتوراه والأستاذية وغيرها.

بل وزنوا الجميع بميزان الكتاب والسنة، وأخذوا من كل أحد ما وافق فيه الكتاب والسنة، وردوا قول المعاصرين بأقوال السلف المستفادة من أدلتها في الكتاب والسنة.

وبطبيعة الحال انشغلت الصحوة ببيان عدم مرجعية الألقاب والشهادات ونحوها عن بيان الجانب المقابل، وهو اشتراط"أهلية"معينة في من ينظر في نصوص الكتاب والسنة، وفي من يستطيع أن يجتهد، أو يُفتي، أو يقيس المصالح والمفاسد، أو يُقدم أو يؤخر، أو يقدر الضرورة بقدرها عند تطبيق قاعدة"الضرورات تبيح المحذورات"، أو يصنف مسألة ما بأن النهي عنها جاء سدًا للذريعة وأن ثمة مصلحة راجحة تقتضى إعمال قاعدة"ما نُهِيّ عنه سدًا للذريعة أُبِيح للمصلحة الراجحة"، إلى غير ذلك من الأبواب التي تتعرض لها الصحوة الإسلامية ليل نهار، لا سيما وأن العالمانين الذين يريدون إسكات الإسلاميين بدعوى عدم"التخصص"أو حمل شهادة يحاولون توظيف هذه الأبواب لتمرير العلمانية بحذافيرها من خلال الفقه الإسلامي.

وفي الواقع، فإن باب الأهلية كان مستصحبًا تلقائيًا؛ فمن كان يواجه من الصحوة الإسلامية مخالفين يتحصنون في ألقاب وشهادات وموافقة للإلف والعادة فمن غير المعقول أن يخوض المواجهة وهو غير متمكن من سلاحه الوحيد، وهو الفهم الجيد للأدلة الشرعية التفصيلية، وقواعد الفقه الإجمالية، وأصوله.

ثم إن شروط هذه الأهلية كانت موجودة في مظانها من كتب الأصول، ويتعرض لها كل معنيٍ بدراسة الفقه وأصوله.

وبعد أن حققت الصحوة قدرًا من الانتشار واتسعت قاعدة المشاركين في الدعوة، احتاج الأمر إلى وقفة مع النفس نحقق فيها الاتزان المطلوب، بين اعتبار المرجعية للكتاب والسنة دون الألقاب والشهادات ونحوها، وبين اعتبار أهلية الناظر في المسائل الشرعية.

ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن الصحوة الإسلامية قد تبنت مبدأ أن كل أحد عليه أن يوظف ما حباه الله به من إمكانيات لخدمة الدين، وهذا أمر له مستنده الشرعي كما في قصة"ذي البجادين"و"قصة جليبيب"و"قصة المرأة السوداء"التي كانت تقم المسجد وغيرها. والأمة الإسلامية في أمس الحاجة الآن إلى تضافر الجهود، بيد أن الخطورة تكمن في اشتباه مؤهلات بعض الأعمال بمؤهلات البعض الأخر، لا سيما فيما يتعلق بقضية الفتوى، أو بصفة عامة التصدي لمسائل تفاصيل التقريرات العقدية والأحكام الفقهية والسياسة الشرعية، وهي أمور تستلزم ملكة معينة ودراسة لقواعد الشرع وأصول الفقه وتمرس على الممارسة لفترة طويلة. بينما هناك أبواب من العلم خادمة أو متممة أو مستقلة عن هذه العلوم، بل ربما تكون أشرف، ولكن أهلية شخص ما في هذه لا يلزم منه أهليته في تلك والعكس بالعكس.

ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وفي هذا الحديث نجد التمييز التام بين ملكتين:

الأولى: ملكة الحفظ أو الضبط تحملا وأداء باصطلاح المحدثين.

الثانية: ملكة الفهم والاستنباط.

ويفهم من قوله -صلى الله عليه وسلم- (رُبَّ) أنه قد يكون السامع على أعلى درجات الوعي، وقد يكون دوره أن يبلغ غيره، وفي كل خير.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت