فهرس الكتاب

الصفحة 27467 من 28557

والأمر يظهر بدرجة أوضح في القرآن، حيث يوجد فقه عظيم للقراءة، لكن لا يلزم أن يكون النابغ فيه نابغًا في تأويله، ورغم أن قراء الصحابة كانوا يحملون القرآن قراءةً وفهمًا، ولكن هذا لم يمنع من أن يكون أنبغهم قراءة ليس أنبغهم تأويلا، ولا أعلمهم بالحلال والحرام الذي يستفاد من مجموع نصوص الكتاب والسنة معا؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) (متفق عليه) ، وقال في شأن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل) (رواه أحمد) .

وعلى الرغم من أن عامة الصحابة حصلوا من كل فضل نصيبا، إلا أنهم راعوا الأهليات عند توزيع المهام، فوجدنا من انشغل بالجهاد ولم ينقل عنه العلم كـ"خالد بن الوليد"و"عمرو بن العاص"وغيرهما -رضي الله عنهما-، وإذا تأملتَ اجتهاد"عمرو بن العاص"-رضي الله عنه- في غزوة ذات السلاسل التي كانت بعد إسلامه بأشهر يسيرة، وكيف اجتهد في التيمم عند عدم القدرة على استعمال الماء، مع أن ظاهر القران أن التيمم يكون عند فقد الماء، علمتَ أنه -رضي الله عنه- كانت له ملكة فقهية عظيمة لم يمنعها من الظهور إلا إيثار أن يتولى هذا الجانب من هم أولى به منه من الصحابة.

ومنهم من عُنِيَ برواية الحديث، وقد كان أكابر صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سُئلوا عن حديث ربما أحالوا إلى أبى هريرة -رضي الله عنه-؛ لما عرفوا من ملازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وعنايته بحفظ حديثه، ودعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالحفظ.

وهذا ابن عباس -رضي الله عنهما- مع شرف نسبه وعلو همته، استنكر كبارُ الصحابة إدخالَ عمرَ له معهم في التشاور في المهمات، فأبرز عمرُ لهم دقيقَ فَهمه لمّا سأله عن"سورة النصر"، فاستنبط منها ما يفوق ظاهر ألفاظها من الإيماء والإشارة فيها إلى قرب أجل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأقر الصحابة له بأهلية النظر في المهمات. وهذا مما يشهد أن هذه الأهلية لا يغنى عنها غيرها من نسب أو كبر سن، كما لا يعوقها غيرها من صغر سن ولا من فقدان نسب، ومن ثَمَّ ساد الموالي في عصر التابعين في القرآن والفقه والحديث وغيرها من علوم الشرع.

وإذا تمهد هذا فإن العصمة من ذلك أمران:

الأول: ألا يندفع البعض بدافع حب الدين والغيرة عليه والرغبة في خدمته وغيرها من الدوافع الحسنة -فضلا عن دوافع حب الشهرة والظهور وغيرها من الدوافع السيئة-، أن يتصدى لما لا يحسن، بل الواجب مجاهدة نزغات الشياطين التي تَؤُزُّ النفوس إلى طلب الشهرة. كما أن الواجب بعد تخليص النية أن يوظف كل إنسان ما عنده في سبيل خدمة الدين، ولا بأس أن يسعى المرء إلى تحصيل شئ يرى حاجة الأمة إليه بشرط أن يحصل أدواته كاملة. وما أروع ما ذكره العلامة"محمود شاكر"عن الإمام"الجبرتي الكبير"الذي رأى تفوق أوربا في صناعة السلاح الحديثة، فتعلم علوم الهندسة والتعدين والسباكة وتصدى بنفسه لسد هذه الثغرة، بَيْدَ أن قدوم الحملة الفرنسية أجهض مشروع النهضة الإسلامي، والذي قاد"الجبرتي"جانبه الدنيوي بعدما ساهم في قيادة جانبه الديني.

الحاصل أن من أراد خدمة الدين فعليه أن يأتي الأمر على وجهه، فإن النوايا الحسنة لا تنفع صاحبها متى أساء العمل.

الثاني: أن المتلقي عليه أن يتعامل مع أقوال كل أحد بأن أقوال العلماء يحتج لها لا يحتج بها، وأنها مفتقرة إلى الدليل من الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف، ويتأكد هذا الأمر إذا كنا نتعامل مع من يتكلم في غير فنه.

كما أن هذا الأمر يقي المتلقي من أن يفتن مع من يفتن من المنتسبين إلى العلم، فإنك لا تأمن على حي فتنة والعصمة منها بالاعتصام بالكتاب والسنة.

وبمناسبة من يتكلم في غير فنه، نريد أن نؤكد على أربع طوائف عانت الأمة من كلامهم في مسائل العقائد والأحكام والسياسة الشرعية، مع أنها ليست من فنونه لما تتطلب من مؤهلات خاصة أشرنا إليها:

الطائفة الأولى:"المفكرون الإسلاميون"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت