وهذا لقب يطلقه البعض على من انشغل بالغزو الفكري أو من له جهد عقلي في مسائل مجتمعية أو غير ذلك. وكلمة"مفكر"ذات ظلال غير جيدة، ولا شك أن الفقيه والأصولي لا بد أن يفكر ويعمل عقله، بيد أن استقلال طائفة ما بلقب"مفكر"يوحى بدرجة تفكير مستقلة عن النصوص، لا سيما وأن معظم من يحملون هذا اللقب مروا بمرحلة"المفكر اليساري"قبل أن يهديهم الله إلى الالتزام بالإسلام المجمل.
ولكن معظم هؤلاء يعيد نفس خطأ أبى الحسن الأشعري حينما رجع عن الفكر الاعتزالي إلى المنهج السني، ولكنه أبى إلا أن يكون مفكرًا سنيًا، وجاء محملا ببقايا اعتزال، فوافقهم في بعض أصولهم دون أن يدرى.
وهو خطأ يحدث في الأمة عشرات المرات لاسيما ممن يحملون هذا اللقب.
ولا شك أننا لا نقيم نتاج شخص ما باللقب الذي يحمله، ولكننا نوصي بدرجة تحفظ عالية من نتاج هؤلاء المفكرين؛ حتى يحظى بالقبول ممن لهم اشتغال بالعلم الشرعي وبفقه الدليل.
الطائفة الثانية:"القراء"
ونعنى بهم من امتاز بضبط أحكام التلاوة، وهو مهمة شريفة خليق بمن حاز مؤهلاتها أن يوظف نفسه فيها، ولكن هذا لا يعني استقلالهم بالفتوى أو عدم ضبط الأحكام الفقهية الخاصة بقراءة القران باستفادتها من أدلتها التفصيلية.
ومما يأسف له أن يرزق إنسان ما حُسْنَ الصوت، ثم يحفظه الله من أن يتصيده أهل الغناء والموسيقى، وأن ينعم عليه بأن يكون ممن استعمل صوته في قراءة القران وترقيق قلوب السامعين، ثم يوحى إليه بعض شياطين الإنس أنه صار بذلك أهلا للفتوى لمجرد حسن صوته بالقرآن، وأن أولى الفتاوى وأكثرها إلحاحا هي الفتوى بحل الغناء بل الموسيقى! تلك التي عصمه الله من الانزلاق فيها بنفسه، فصار متورطا فيها بفتواه، مما يوجب على الأمة جميعا أن تعي أن فهم قضية الأهلية قد صار الآن أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
الطائفة الثالثة:"الخطباء"
رغم العلاقة الوثيقة بين الخطابة وبين العلم، إلا أنه لا يلزم أن يكون كل فقيه خطيبًا ناجحًا ولا أن يكون كل خطيب عالما ثبتا، فربما كانت لدى الشخص مؤهلات خطابية مع درجة إتقان علمية معينة تعينه على الخطابة، وربما كان لدى بعض الخطباء استعدادات علمية عالية ولكن شغلته عنها الخطابة.
وعلى أي، فالذي نريد التنبيه عليه أن الخطيب الذي رأى أن الأفضل في حقه أن يسد ثغرة الوعظ والتذكير، فهذا باب عظيم من أبواب الخير، ولكنه إذا شغله هذا الباب عن التمرس في معالجة القضايا الشرعية ومطالعة مسالك علماء السلف فيه ومعايشة كتبهم، فعليه أن يحذر من الخوض في هذه الأمور على أساس أنه من جملة المشتغلين بالعلم، فعلوم الواعظ والخطيب تختلف شكلا وموضوعا عن المعضلات الفقهية.
ويتأكد هذا الأمر في زماننا فيما يتعلق بالسياسة الشرعية، ويزداد الأمر خطورة مع تربص أعداء الإسلام الذين يحاولون الحصول على أي قدر من التنازلات، ورغم أنهم يحصلون على كل ما يريدون من العقلانيين والقرآنيين ومن شابههم، إلا أنهم يدركون أن الحصول على مثل ذلك من الخطباء المنتسبين إلى الصحوة بصفة عامة، وإلى السلفية بصفة خاصة، يمكن أن يكون له أثر أكبر من غيره.
الطائفة الرابعة:"الإعلاميون الإسلاميون"
وهم طائفة ظهرت مؤخرًا بعد انتشار مواقع الانترنت الإسلامية والفضائيات الإسلامية وغيرها. وبعض هؤلاء لديه درجه فهم جيد للإسلام عمومًا وللسلفية خصوصًا، والبعض ليس لديه هذا الفهم. والمشكلة تكمن في تسارع وتيرة العمل الإعلامي بحيث تجعل كثيرا من المخلصين من الإعلاميين الإسلاميين يكسل عن مراجعة أهل العلم فيما يعد من مواد إعلامية.
والنصيحة واجبة لإخواننا العاملين في هذا المجال أن يقدروا مسئولية الكلمة وأن يسعوا إلى مراجعة ما يقدمونه للجمهور حتى يطمئنوا إلى سلامته قبل عرضه.
كما أنه ينبغي على المشتغلين بالعلم مهما بلغت مشاغلهم ألا يوصدوا الباب دون كل من يطرقه من الإعلاميين، فهم من أكثر الناس حاجة إلى الدعم والنصح، والتحديات من حولهم كثيرة، والشبهات أكثر، والمزالق أكثر وأكثر ...
وممن يتعين عليه وجوبًا أمر مراجعة ومناصحة العاملين في مجال إعلامي ما من أعلن أنه المشرف الشرعي على العمل الإعلامي الفلاني، فالقضية ليست ألقابا شرفية، ولا إقرارا بالخط العام لهيئة إعلامية ما، وإنما المسئولية الشرعية تقتضى محاولة منع الخطأ قبل عرضه على الناس، وهذا هو الأصل، أو المسارعة بتصحيحه علنا وتفصيلا إذا ما مر، و ينبغي أن يحاول تضييق نطاق هذا الأمر قدر الإمكان، وطبعا هذا لا يشمل المسائل التي يسوغ فيها الخلاف.
وفي الختام ...
نؤكد أن الصحوة بجميع قطاعاتها في حاجة ماسة إلى الفقه في دين الله تعالى، وأنه على كل من يريد أن يسد ثغرة من ثغرات العمل الإسلامي أن يتعلم ما يلزمه على الأقل في هذه الثغرة، وأن من أهم ما يجب أن يتعلمه كل أحد حدود ما يعرف مما يجهل، فإن كل الخلق لابد وأن يبتلي في مسائل قلت أو كثرت بالجهل البسيط، وهو أن يجهل وهو يعلم أنه يجهل، ومن ثم يحجم عما يجهل، ويحيل إلى غيره، أو يتعلمه متى احتاج إليه. لكن المصيبة الكبرى والطامة العظمى أن يجهل الإنسان، ويجهل أنه يجهل، وهو أمر ينبغي أن يربأ كل مسلم بنفسه عنه، فضلا عن المنتسبين منهم إلى الدعوة إلى الله.
نسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يغفر لنا زللنا وتقصيرنا. اللهم آمين.
موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)