فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يتبين من هذا أن الاقتناع ليس متعلقا بقوة الحجة، وقوة البرهان، وكثرة النصوص القرآنية والسنية، أو من تراث السلف الصالح، وإنما معلق بشيء اسمه القابلية، أي الرغبة في الاقتناع والامتثال والتصديق، ومصدر هذه القابلية، ونبعها
النفس أو القلب فهو الذي يؤشر على السلوك والكلام / الفكرة ... معطيا إياها القابلية، وفاتحا المجال واسعا للعقل ليتعامل معها، ويتدارسها، وخير دليل على ذلك:
-الرسل والأنبياء: فرغم قوة الحجج التي جاؤوا الناس بها، أبوا إلا العناد والرفض والكفران، وهم عن آياتها معرضون، فرغم قوتها لم تك هناك قابلية قلبية تأذن للعقل بتمحيصها والتعامل معها.
-المناظرات العلمية / الأدبية: خذ مثلا برنامج الرأي والرأي الآخر الذي تعرضه قناة الجزيرة، فما علمنا لحد الآن أن أحد المتناظرين أقتنع بفكرة غيره لقوتها أو حجيتها ذلك أن القابلية غير متوافرة.
وبناء على هذا الذي سبق، فإن الاقتناع الحقيقي لا يتحقق بالعنف سواء أكان عنفا ماديا كالضرب أو الحبس، أم كان معنويا / رمزيا، كعرض الرأي على الآخر بالقوة. فالإقناع لا يكون بالإكراه والإلزام.
قال تعالى في كتابه العزيز:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة/256) ، بل يكون بوفير الجو النفسي الملائم، وخلق العلاقات الطيبة، والانسجام مع الطرف الآخر، قال عز وجل:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل / 25)
وكل هذه الخطوات التربوية تؤثث/ تهيؤ للقبول، وتهيئ النفس للاستجابة والرضا، وقال جل جلاله:"فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك". (آل عمران / 159) .
فذلكة القول:
الاقتناع بالفكرة، بالموقف، بالسلوك، بأي أمر، غير مرتبط بالحجة والبرهان، بل مرتبط بالقابلية النفسية للاقتناع، أي قابلة الشخص ليقتنع.
فالقلب هو الذي يأذن بذلك، لا العقل. لذا فمخاطبة القلوب أولى وأجدى من مخاطبة العقول.
العقل كائن طيع، يطيع النفس، ويمتثل أوامرها، إذا قالت: لا، يحجم وإذا قالت: نعم يقبل.
فنقول لطالب الإقناع عليك بالمسالك القلبية والنفسية، ألِنْها أولا واعرض عرضك ثانيا. حقق الاتصال معها وأمْرِرْ ما تود إمراره.
لو كان خطاب الحجة مجديا لامتثل الكفار الدين لأول وهلة، لأول حجة. وليست تخفانا قوة حجج الأنبياء والرسل، التي أيدهم بها رب العزة والجلال، وكانت مما اشتهر بها القوم في ذلك الزمان والمكان. لكن هيهات أن يقتنع قلب عنيد، مريض. خذ كذلك برنامج الاتجاه المعاكس الذي تعرضه قناة الجزيرة، فهل حدث أن اقتنع أحد المتحاورين؟