فهرس الكتاب

الصفحة 17138 من 28557

ولما حج المنصور قال لمالك: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها، فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم، ويحكى نسبة هذه القصة إلى لهارون الرشيد، وأنه شاور مالكا في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقال: لا تفعل فإن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت قال: وفقك اللّه يا أبا عبد اللّه. حكاه السيوطي.

ميزة الإمام مالك:

وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد اللّه بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، فلما وسد إليه الأمر حدث، وأفتى، وأفاد، وأجاد، وعليه انطبق قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة» ، على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق - وناهيك بهما - فجمع أصحابه رواياته ومختاراته ولخصوها، وحرروها، وشرحوها، وخرجوا عليها، وتكلموا في أصولها ودلائلها، وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض، فنفع اللّه بهم كثيرًا من خلقه.

وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب «الموطأ» تجده كما ذكرنا.

مذهب أبي حنيفة ومأخذه:

وكان أبو حنيفة رضي اللّه عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء اللّه، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب «الآثار» لمحمد رحمه اللّه و «جامع عبد الرزاق» و «مصنف أبي بكر بن أبي شيبة» ، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضًا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة.

أشهر أصحاب أبي حنيفة:

وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف رحمه اللّه، فولي قضاء القضاة أيام لهارون الرشيد، فكان سببًا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر.

وكان أحسنهم تصنيفًا وألزمهم درسًا محمد بن الحسن، وكان من خبره أنه تفقه على أبي يوسف، ثم خرج إلى المدينة، فقرأ الموطأ على مالك، ثم رجع إلى نفسه، فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسا ضعيفًا أو تخريجًا لينا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء - تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هناك، وهذان لا يزالان على محجة إبراهيم وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة رضي اللّه عنه يفعل ذلك.

اختلاف أصحاب أبي حنيفة:

وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين: إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض، فصنف محمد رحمه اللّه وجمع رأي هؤلاء الثلاثة، ونفع كثيرًا من الناس، فتوجه أصحاب أبي حنيفة رضي اللّه عنه إلى تلك التصانيف تلخيصًا وتقريبًا أو شرحًا أو تخريجًا أو تأسيسًا أو استدلالًا، ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر، فيسمي ذلك مذهب أبي حنيفة.

مذهب الشافعي:

ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فنظر في صنيع الأوائل، فوجد فيه أمورًا كبحت عنانه عن الجريان في طريقهم، وقد ذكرها في أوائل كتاب «الأم» .

لم يأخذ الشافعي بالحديث المرسل:

منها: أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع، فيدخل فيهما الخلل، فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف مسندا، فقرر ألا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط، وهي مذكورة في كتب الأصول.

دون الشافعي أصول الفقه:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت