فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وتختلف تلك الحاجات، في شدة أثرها على بواعث الفرد ودوافعه، قوة أو ضعفًا، حسب رتبة العمل المقصود، في تلك الحاجة المحددة، فإما أن يكون الأمر ضروري، فيقوى الباعث عليه حتى لا يفتأ المرء يسعى لتحقيقه ليل نهار، سرًا وعلانية، لا يجد راحة حتى يدركه، إذ كيف يتركه وهو أصل لا تستقيم الحياة - الدنيا أو الآخرة - بدونه! أو أن يكون أمر حاجي، يرتفع به ضيق الحياة، وهي من ثم دوافع تستحق السعي والطلب، مالم تعارض في هذا السعي بضرورة أولى بالتقدمة، تبعث النفس على تحصيلها بعثًا. ثم أخيرًا تلك الأمور التي تسبغ على الحياة سعتها، وتستدعي استكمال رفاهيتها ورغدها، وتحسن وجه الحياة في كافة مناحيها، وهي لا شك دوافع للمرء تحفزه على طلبها إذ تحقق باستكمالها ما به ضرورات بقائه، وحاجيات حياته.
وأخيرًا، فإن قوة الباعث على تحصيل تلك الحاجات، تتوقف على أمور ثلاثة أخرى، تتعلق بأثرها؛ أهي على الفرد أم الجماعة؛ أهي شاملة أم محدودة في جزئية معينة، ثم أهي متحققة الوقوع أم موهومة، فما هو للجماعة، تميل نفس الفرد إلى تفضيله عما فيه فائدة شخصية، وما هو شامل مقدم على ما يعالج جزئية محددة، ثم ما هو متحقق الوقوع، لا شك فيه، تميل النفس إلى السعي نحوه"أكثر مما هو متوهم، لا يعلم: حقيقة هو أم خيال!."
من خلال ذلك العرض الموجز، لما عساه يكون قالبًا للنفسية الفردية السوية، في بواعثها ودوافعها نحو تحقيق أعمال تحقق صالحها ورضاها وتشعرها بالكفاية والسمو الداخلي، تتم المقابلة التي أردنا إليها أولًا. ونلحظ من مقابلة تلك الحاجات التي تمثل القالب النفسي للفرد في النظرة الإسلامية، بما قدمناه آنفًا من نظرية الدوافع لماسلو، ذلك الفارق الشاسع سواء في هيكلها أو فرضياتها الأولية أو دقتها وسعتها.
فالنظرة الإسلامية لدوافع الفرد تتميز بإحكام بنائها، وإحاطتها بكافة ما يعتمل في النفس الإنسانية من عوامل، كذلك دقة تقديم الأوليات، حسب ما أدت إليه التجربة البشرية على مدى الزمان والمكان. وقد اعترض الكثير من الغربيين أنفسهم على متسلسلة ماسلو من حيث هي أغفلت أن الفرد في كثير- بل جل - عمله وحياته يقدم نفسه وحياته أمام حفظ كرامته أو معتقده، وأن الدراسات التطبيقية لم تدعم ذلك التسلسل المذكور.
كذلك فإن هذه النظرة تضع الفرد في محله الصحيح من الجماعة، من حيث إن أفعاله تنبعث من الحاجة إلى تحقيق صالح الجماعة أولًا ... ثم صالحه من حيث هو فرد فيها ثانيًا، لا العكس كما ذكرنا عن النظرة الغربية الرأسمالية، ولا الترف الشيوعي الذي يسخر الفرد لصالح الجماعة - في زعمهم - لا غير.