فهرس الكتاب

الصفحة 7830 من 28557

وقد ذكر ماسلو أن عملية الانتقال من مستوى إلى آخر في هذه الهرمية لا يتم إلا إذا أشبعت الحاجات المتعلقة بهذا المستوى، بمعنى أن الفرد لا يسعى لكسب احترام، المجتمع أو لتحقيق روابط اجتماعية مالم يحقق حاجة الطعام والشراب والسكن. وتجدر الإشارة إلى أن تلك النظرية التي تعالج الدوافع النفسية لدى الفرد، إنما هي - كما يظهر من مضمونها - وليدة الفكر الغربي الذي يجعل"الفرد"ومصلحته العليا أولى بالتقدمة؛ إذ هو الوحدة الاجتماعية الأولية"لا الأسرة كما في المجتمع الإسلامي"، ونجاح الجماعة إنما يهدف أولًا إلى تحقيق صالح الفرد، وإلا فلا عبرة ولا دافع له كي يساهم في التقدم الجماعي، فالفرد في"الغرب"إنما يحترم الجماعة ويعمل طائعًا في إطارها لأنه يعلم بفطرته وبخبرته خلال القرون أن تلك هي الوسيلة الناجعة لتحقيق صالحه هو ... من خلال الجماعة، كذلك فإنها نظرية يمكن أن يقال إنها"وصفية"؛ أعني هي تصف واقع الفرد كما هو كائن، ولا تعالج الطموح إلى الترقي أو السمو بالحاجات، وتقديم ما هو أنفع على غيره كما إنها-بطبيعة الحال - تعالج مقاصد الفرد ودوافعه في حيز الحياة الدنيا، إذ ليس لدى القوم كبير اهتمام بما عساه يكون في عالم الغيب، وما يتطلبه ذلك الأمر من ضرورة دافعة تجعله يسعى قاصدًا لتحقيق احتياجات محدودة تعين على بلوخ غايته.

مقاصد الفرد في المنهح الإسلامي:

في مقابل تلك النظرية الغربية في"الدوافع Motivation"يمكن للناظر في أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية أن يستنبط نظرية في"الدوافع"التي تحرك الفرد المسلم وتوجه حركاته وسكناته، ذلك أن بواعث المسلم ودوافعه تنبع من تلك الفطرة المخلوقة السوية، التي لم يفسدها الانحراف أو الضلال، تلك - الفطرة التي تتلقى المنهج الإلهي المقرر، الذي فصلت جزئياته في الشريعة، فيصوغ لها قالبها النفسي الذي تتحرك من خلاله في حياتها الدنيا. فالمسلم إذن حين يتحرك من خلال تلك الشريعة، وفي قالبها ذاته، إنما تتناغم بواعثه ومقاصده مع ما تهدف إليه الشريعة وتقصده ... فمقاصد الشرع - في الإسلام - هي بشكل عام،"مقاصد الفرد المسلم"، وهي دالة بطريقة اللزوم على بواعثه ودوافعه، إذ العلاقة بين دوافع الفرد ومقاصده هي علاقة الفرع بأصله، وهي علاقة موجبة طردية، وإن لم يكن محل الحديث عن هذه العلاقة بشكل أوسع في هذا المقام، فإننا أردنا أن نبين أننا اتخذنا من، مقاصد الشرع (1) قواعد تهدي إلى"بواعث الفرد"في النظرية الإسلامية.

ينبعث الفرد المسلم في حركاته وسكناته ساعيًا نحو تأمين حاجته من متطلبات خمس رئيسية، تدور حولها سائر حاجاته الإنسانية وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهذه الحاجات الخمس هي التي تبعث الفرد على إتيان أعمال محددة لحفظها ومنع زوالها، إذ بها تتحقق أقصى مصالحه على وجه الكمال، سواء في الدنيا أو في الآخرة،.كما أنه بعدمها يتعرض للتلف الآجل أو العاجل.

فلا عجب أن يكون الحرص على تحقيقها ومنع فواتها، هو الدافع الأصيل للفرد منذ أن يبدأ وعيه وحتى النهاية، فالحرص على"الدين"هو الباعث الأول للفرد، إذ به تتحقق هويته البشرية من حيث هو عبد لله الخالق، كما ينال ما يتمنى من السعادة الأبدية في الآخرة.

والحرص على النفس هو كذلك أمر فطري يندفع إليه الناس دون حاجة للتعلم أو التوجيه، والحرص على العقل دافع أصيل لدى الإنسان من حيث يحقق له القدرة على السيطرة على مقدراته، والسعي نحو حماية الأهم من النفس أو الدين، وحفظ النسل، الذي يؤمن للفرد شعور الاستمرارية والدوام. ورعاية النبتة التي تحفظ له اسمه ووجوده، يمثل ولا شك دافعًا قاهرًا للمرء ليحقق ما به قوام تلك الحاجة الأساسية الأصيلة، والمال الذي هو زينة الحياة الدنيا، دافع حقيقي للمرء، يعينه على إبقاء النفس ورعاية النسل، وإعلاء كلمة الدين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت