فهرس الكتاب

الصفحة 7833 من 28557

كذلك تناثرت في خلال بعض الدراسات التاريخية إشارات للسنن الاجتماعية التي جعلها الله سبحانه قوانين ثابتة تحكم التجمعات البشرية في كل زمان ومكان، كما يتضح في كتابات ابن تيمية وابن القيم على وجه الخصوص كما ظهرت في العصر الحديث بعض الدراسات التي تناولت الجوانب الخلقية والأصول التربوية الإسلامية وبعض الظواهر الاجتماعية بالبحث والتحليل، نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر- تلك الدراسات القيمة للأستاذ محمد قطب عن"منهج التربية الإسلامي"والتي تناول فيها، فيما تناول، بعض الظواهر المتعارضة في الحياة الاجتماعية، والتي تتعرض لها النفس الإنسانية بعامة، في صورة من الصور، كالفردية والجماعية، أو السلبية والإيجابية (3) .

وقد أسهم الدكتور محمد أمين المصري، بدراساته العميقة حول التربية الإسلامية وأغراضها، وحول دور الفرد والمجتمع في الإسلام، وسلوك الفرد وأهميته، في مجموعة محاضراته"المجتمع الإسلامي"وكتاب"المسؤولية"وغيرهما، مما هو جدير بأن يكون محل احتفاء ورعاية من المسلمين، لما فيه من توجيهات فذة، وتحليلات رائدة.

كذلك ما تناوله الأستاذ مالك بن نبي من ظواهر شائعة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بعد أن تقهقرت في سلم الرقيّ الحضاريّ كالسطحية، وذهان السهولة، وما أشار إليه الأستاذ جودت سعيد في كتابه القيم"حتى يغيروا ما بأنفسهم"؛ إلى غير ذلك مما يهم المسلمين اليوم أن يرصدوه في واقعهم وأن يتعاملوا معه تعاملًا واقعيًا مبنيًا على معرفة وإحاطة بما يعتمل في النفس الإنسانية من دوافع الخير ونوازع الشر.

ومما لاشك فيه أن الساحة الإسلامية قد ماجت بأحداث جسيمة خلال العقود القليلة الماضية، وتجاوبت تلك الساحة للأحداث بردود أفعال شتى، ظهرت من خلال أوضاع لا تغيب عن عقل الباحث المتتبع لمسرح الحياة الإسلامية في تلك الفترة المعاصرة. وكان من نتائج تلك الأحداث وردود أفعالها في واقع المسلمين وحياتهم أن ظهرت معطيات جديدة في الخريطة الاجتماعية للحياة الإسلامية لم تكن من قبل، كما تعرضت النفس المسلمة - الفردية والجماعية - لمؤثرات لم تتعرض لها من قبل، ذلك كله قد جعل الحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- إلى مزيد الاهتمام بتلك الدراسات الاجتماعية والإنسانية، والتي تتناول بالتحليل والملاحظة النفس الإنسانية المسلمة في واقعها الفرديّ والجماعي، ومن خلال حالات واقعية محددة بعيدة عن التجريد، لتصل إلى الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر العديدة التي تجتاح المسلمين وحياتهم، وتجتالهم عن طريق الحق والتقدم للهدف.

ولنزيد الأمر إيضاحًا فيما يخص تلك الدراسات، نستعين بضرب المثل - أسوة بالقرآن الكريم - ولنتصور جماعة من العاملين بأحد المصانع، وقد لاحظ القائمون عليهم ضعفًا وتكاسلًا، انعكس على قلة الإنتاج ورداءته، ولمعالجة ذلك القصور كان أن عرض اقتراحان:

أولهما: أن يبين للعاملين في هذا المجال -من خلال محاضرات وندوات طويلة ومكثفة - ما يجب أن يكون عليه العمل، وما هي صفات العامل المجد، وما هي عواقب التكاسل والتراخي، وما هي مزايا الجد والاجتهاد وفضل الإيثار وعدم الأنانية .. على أن يتم هذا التوجيه سواء بالكلمة المسموعة أو النشرة المكتوبة.

ثانيهما: أن نتناول بالملاحظة والتحليل تصرفات العاملين في المواقف المختلفة - أفرادًا وجماعات - وطبيعة العلاقات بينهم، وأن تشمل تلك الدراسة طبائع مثل تلك التجمعات مقارنة بمثيلاتها ممن يشترك معها في صفاتها وخصائصها ونزعاتها، ثم علاقتها بقياداتها التي تدفعها للتكاسل والإحجام، أو البذل والعطاء، وما هي وسائل حفز أولئك الأفراد ليكونوا أغزر إنتاجًا، وأكثر نشاطًا، وأقل اختلافًا، وتعارضًا في المصالح كما يشمل البحث الحياة الشخصية للأفراد، فردًا فردًا ليرى ما يؤثر فيها من مشكلات وصعوبات تنعكس على أدائها بشكل أو بآخر، وما يوجهها في حركتها من دوافع داخلية مستترة قد تتوافق مع الهدف العام والسياسة النهائية للمصنع أو تتعارض معه، كذلك تلك العلاقات التي تنشأ بين الناس من حداثة وود وأخوة، أو عداء وبغض وتحاسد، والتي يرجع وجود كل منها إلى طبيعة النفس الإنسانية في أساس فطرتها حين تتعارض المصالح أو تتدافع الأهواء، بحكم ما هو واقع لا بحكم ما يجب أن

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت