فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يكون.
حين تتم هذه الخطة، وينتهي هذا البحث، فإنه يمكن أن نزيل ما أمكن من عوائق داخلية تعرقل الاندفاع لتحقيق الهدف والوصول إلى الغاية وزيادة الإنتاج وكفاءته.
إذا انتقلنا بذلك المثال من مجال العمل والصناعة إلى مجال النشاط الإنساني عامة، في اجتماعه لأداء عدد من الأهداف المحددة كمجموعة إنسانية، أو لتكوين وحدة بشرية تاريخية كمجتمع متكامل، لاتضح لنا أهمية ما أشرنا إليه من دراسات.
فالحل الأول: يمثل الاتجاه المثالي في حل المشكلات، وهو الطريق الأسهل.
والحل الثاني: يمثل الاتجاه الواقعي التجريبي، الذي اعتمده القرآن في مواجهة الأحداث أثناء تنزله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ليصلح من خلال الحركة الواقعية الحية، كما يصلح من خلال البيان النظري.
الحل الأول: يمثل حلمًا جميلًا يتمناه الناس جميعًا، ينبني على فرضية أن الناس تتبع أحسن ما يقال لهم، وأنه بمجرد ظهور الحق ومعرفته، سينصاع له الكل متحدين متآلفين! وأن النفس الإنسانية حينذاك تكون في قمة الأداء، لا تشوبها شائبة من طمع أو تحاسد أو مصلحة .. ولكن رصيد ذلك في الواقع قليل ..
والحل الثاني. يأخذ في الاعتبار ما أوضحه الله سبحانه في محكم آياته من أن"الإنسان"قد جبل على صفات مشتركة مركوزة في أساس فطرته، قال تعالى: (( إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وإذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ) ) [المعارج:70] ، وقال تعالى: (( خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) ) [الأنبياء:36] ، وقال تعالى: (( وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا ) ) [النساء:28] ، والإنسان هو الإنسان .. المسلم يعلو بإنسانيته، لا فوقها - كما زعمت النصارى حين فرضت على قساوستها ترك الزواج لأجل الله! في زعمهم - ويدافع شهواته وطبائعه فينتصر حينًا، وله الثواب والفضل لله تعالى، وينهزم حينًا، فثم شرعت الحدود والعقوبات للتطهير والتكفير .. ثم عفو الله العميم .. ذلك والمشرك مخلد إلى الأرض قانع بالدون سادر في عينه. فاعتبار تلك الطبائع والفطر -إذن - بالنظر إلى تلك القوانين الكلية التي تحكم حركة المجتمعات الإنسانية عامة، وأسباب صعودها واندفاعها، ثم عوامل ضعفها وانهيارها إنما هو بمثابة الطريق المرسوم الذي يخطو عليه المسلمون عارفين بدروبه وشعبه، آمنين مزالقه ومخاطره، وهو الهادي لهم في تجمعاتهم العامة والخاصة، الكبيرة والصغيرة، إذ هي سنن كلية الهية لا تتخلف في زمان دون زمان، ولا تجامل فئة دون فئة.
ولا يظن ظان أن تلك الدراسات مبتوتة الصلة عن العلوم الشرعية، وأن لا مكان لها فيما يتعلق بالعلم الشرعي! وإنما هي -كما في علوم التاريخ والعربية والأصول - علوم خادمة للعلوم الشرعية الأساسية كالتفسير والفقه والحديث، والتي هي كلها في آخر الأمر إنما تفي بإقامة حياة الناس في الأرض على حسب ما أراد لهم ربهم سبحانه، فهي تعين على فهم الواقع، وتساعد على استنباط ما يصلح حياة المسلمين من الأحكام الشرعية، التي تحكم واقع المجتمعات عامة، وخلجات النفوس خاصة، كما تحكم تصرفات الأفراد وقوانين الدول.
وقد تعرضت تلك النوعية من الدراسات في هذا المجال، والتي ظهرت بشكل مستقل متخصص في أوربا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي للكثير من النقد والإعراض.
وكان ذلك النقد والإعراض مبنيًا على مبدئين رئيسين:
أولهما: أن ما يعرف حاليًا بالدراسات الاجتماعية والإنسانية، هو وليد الفكر الغربي، وحضارة الغرب - بكل ما تحمله من أوزار فكرية - تجعل نتاجها محظورًا، وإن صلح بعضه، درءًا للشبهة، وبعدًا عن مواطن الزلل. كما أن كثيرًا من رواد تلك الدراسات في الغرب من الشخصيات المشبوهة التي ينبعث فكرها من خبث فلا تنتج للناس إلى خبثًا.
ثانيهما: أنه - على العكس من ذلك وفي مقابله -يقدم الإسلام لأبنائه، كمنهج شامل للحياة الإنسانية من لدن حكيم خبير، تصورًا واضحًا، وأساسًا سليمًا يصور الحركة الاجتماعية في سكونها وتطورها، وفي صعودها وهبوطها، ويصف الحياة الإنسانية في أدق خلجاتها النفسية من المصادر البشرية، انحراف عن الصواب، ونكوص عن الحق، لا يليق بالطليعة المسلمة التي تنشد أن تكون منارًا وضيئًا يفىء إليه المسلمون من كل حدب و صوب.
(يُتْبَعُ)