فهرس الكتاب

الصفحة 7835 من 28557

وكلا الأمرين حق لا ريب فيه، فالدراسات الاجتماعية والإنسانية والغربية - في العديد من جوانبها - تختلف عن الإسلام في المصادر والوسائل، ومن ثم في الأهداف والنتائج.

كذلك فإن الزاد الهائل الذي رصده القرآن -كما أشرنا إليه - ليضع به تصورًا واضحًا لأسس الاجتماع الإنساني على أساس أن"الإنسان"هو خلق الله تعالى، وتحليل النفس الإنسانية كما هي عليه من ناحية، وكما ينبغي أن تكون من ناحية أخرى، لجدير بأن يغترف منه الباحثون ما يقيمون به علمًا يوجه حركة المجتمع، وخلجات النفس إلى الأمثل والأكمل.

إلا أن ذلك كله لا يمنع من أن يتعرض المسلمون لنتاج الفكر الغربي في هذا المجال دارسين وناقدين، مصححين أو مزيفين، بشرط دقة التحري في البحث، وأن يكون الباحث كالصيرفي الماهر الذي ينقد صحيح الذهب من زائفه، وأن يكون على علم شرعي يتمكن به من تمييز ما يخالف عقيدة أهل السنة ومنهج نظرهم، أو يصادم معلومًا من الدين بالضرورة ويهدم أصلًا من أصول الشريعة، مما هو مشترك بين بني آدم بحكم اتفاق الفطرة، واتحاد الأصل، ووحدة السنن، وبما يتمشى مع توجيهات الله سبحانه للمسلمين بما يحفظ له علو المكانة وشرف المنزلة التي يسود بها سائر المخلوقات.

وإننا لنجد ذلك المنهج جليًا في تلك الدراسة العميقة التي كتبها الدكتور"محمد عبد الله دراز"عن"دستور الأخلاق في القرآن"والتي بحث فيها النظرية الأخلاقية في مباحث الغرب، بنظر المسلم المتمكن من فهم دينه، فأقر بالصحيح، وكشف عن وجه الضعف والخلل، أو النقص والقصور، ثم وضع أساسًا للدستور الأخلاقي الإسلامي كما أوصت به نصوص الكتاب الكريم بناء على تلك الدراسة المقارنة.

فعلى سبيل المثال، نجد الباحث في حدود حديثه عن مصادر الإلزام الأخلاقي قد تعرض لكاتبين من كبار مفكري الغرب، أولهما: هنرى برجسون في كتابه"مصدرا الأخلاق والدين"حيث قال عنه دراز:"استطاع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، في تحليله العميق لقضية الإلزام الأخلاقي أن يكشف له عن مصدرين: أحدهما قوة الضغط الاجتماعي، والآخر قوة الجذب ذي الرحابة الإنسانية المستمدة من العون ا لإلهي" (4) .

إلا أنه عقب على ذلك -بعد التحليل - بأن عرض برجسون لا يفي بالمقصود، بل ويخالف المنحى القرآني في بعض جوانبه؛ قال:"أما إذا تناولناه - على أنه نظرية في الإلزام الأخلاقي - فإن تحليله يحمل بعض الصعوبات، وشيئًا من الانحراف عن الجادة، بالنسبة إلى وجهة النظر القرآنية" (5) .

كذلك فقد تعرض لما كتبه المفكر الفرنسي"عمانويل كانت"عن الإلزام الأخلاقي في كتابه"أسس ميتافيزيقا الأخلاق"فقال:"ولقد أحسن"كانت"صنعًا برغم النقص في طريقة تقديمه لنظريته حين أكد أنه كشف عن مصدر الإلزام الأخلاقي في تلك الملكة العليا في النفس الإنسانية".

ثم أوضح أن ذلك يتفق تمامًا - حسب ما يرى- مع النظرة المستخلصة من القرآن في تكوين الإحساس بالخير والشر لدى الإنسان في قوله تعالى: (( ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا ) )وتزويدها بالبصيرة الأخلاقية في قوله تعالى: (( بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) ) (6) .

ذلك المنهج الذي يتعرض لنتاج الفكر الغربي فيحلل وينقد، ويصحح ويزيف هو ما أردنا إليه، إذ تتسع من خلاله آفاق المعرفة، وتتفتح المجالات المتعددة التي يجب أن يعني بها المسلمون أكثر من عناية الغربيين فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها ممن سواه.

إلا أنه يتعين علينا، قبل أن نمضي في بحثنا قدمًا، ألا ندع مجالًا للبس أو الغموض لدى القارئ في تحديد نوعين من المصادر التي أشرنا إليها آنفًا:

أولهما:

تلك المصادر التي يرجع إليها في تحديد القواعد العامة والقوانين الكلية التي تندرج تحتها تلك الأشكال من العلاقات الاجتماعية والإنسانية، والتي تستقي منها الإجابات والحلول لشتى المشكلات والأوضاع الواقعية، ونعني بها: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته ثم ما انبنى عليهما من منهاج استقر عليه الصحابة والتابعون، وتمثل في حياة وسير أعلام الأئمة على مر العصور.

وثانيهما:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت