فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تلك المصادر التي يمكن أن تسهم في إثراء مجال التجربة الإنسانية، في الواقع الحي، بحيث يشمل نطاق البحث الإسلامي كافة ما يمكن أن يشمله من أوضاع وعلاقات، سواء نشأت في الواقع الإسلامي، أو في الواقع الغربي بحكم ما هو مشترك بينهما في الصفات الإنسانية العامة.
فالمصادر الأولى: هي مصادر الحلول والهداية، إلى جانب التجربة الواقعية.
والمصادر الثانية: هي مصادر تغني مجال التجربة، وإن تقيدت في نتائجها النهائية وتحليلاتها بمعطيات المنهج الإسلامي لتوائم الواقع الإسلامي الذي تُطبق عليه.
ولا بأس - إذا وصلنا إلى ذلك القدر من البحث - أن نعرض لمثالين من إسهامات باحثي الغرب في المجال الذي أشرنا إلى أهميته في بحثنا، مما نجده صالحًا للاستعانة به في فهم مجال تلك الدراسات المطلوبة وتحديد منهاجها ومجالها.
أول تلك الدراسات لأحد العلماء الألمان وهو"ماكس فيبر"1864 - 1920 حيث ذكر خلال تحليله القيم للبناءات الاقتصادية الكبرى، وما يرتبط بها من عوامل اجتماعية، تؤخذ في الحسبان لتؤتي تلك البناءات ثمارها، إلى أن المجموعات البشرية - بشكل عام - حين تعمل لهدف من الأهداف بشكل جماعي، فإنها تمر بأطوار محددة لا تكاد تختلف -حسب ما ذهب إليه الكاتب -في حالة المجموعات الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
أولها: سلطة الزعيم أو البطل الموهوب: الذي يقوم العمل على أكتافه وبمواهبه الذاتية وقدراته الشخصية، التي عادة ما تكون قدرات فائقة، وفي هذه المرحلة يكتفي الاتباع بترسم خطى الزعيم واتخاذ أقواله منهجًا وأفعاله معلمًا، وغالبًا ما تنعدم روح النقد وتندر روح الابتكار في تلك المرحلة للثقة في الزعيم المؤسس، ويكون الولاء مقدمًا على الكفاءة، من حيث أن الحاجة إليه في إحكام الترابط أشد من الحاجة إليها، وقد استغنى عنها بمواهب الزعيم.
الثانية: وهي التي تنشًا حين اختفاء الزعيم المؤسس لسبب من الأسباب، وفيها تتجه المؤسسة إلى أحد شكلين من أشكال التعامل والتعارف.
أولهما: التقليد أو التقليدية:
وفيها تجري الأمور على ما قرر ذلك الزعيم دون تغيير أو تبديل، كما يقل التجديد ولا يتوقع أن ينشأ زعيم من طراز المؤسس، بل حتى إن نشأ فإنه عادة لا يلاقي قبولًا كافيًا لمنحه سلطة العمل المطلق ولا يندفع العمل للأمام إلا بقدر طاقة القصور الذاتي، المخزونة فيه من المرحلة الأولى.
ثانيهما: التنظيمية العقلية:
وفيها تنحو المؤسسة منحى التنظيم المبني على التخطيط والعقل وإعطاء كل مشارك دورًا فعالًا، دون ادعاء لوراثة الزعيم المؤسس من أحد أتباعه، أو لضرورة تقليد خطواته كما رسمها، وتكون الحركة على أساس تقييم صحة العمل ونتائجه لا على أساس نسبته لما قرره المؤسس.
وعلى أساس الخط الذي تختاره المؤسسة - في المرحلة الثانية - من هذين الاتجاهين يكون مدى نجاحها أو إخفاقها في الوصول لهدفها المحدد (7) .
وما سبق هو عرض محض - بما يناسب الواقع الإسلامي - لما ذكره العالم الألماني، يلحظ فيه قوة الملاحظة، واستقراء الواقع، مع محاولة استنباط السنن العامة التي تربط الحوادث الاجتماعية برباط واحد، وتخضعها لقانون عام، حتى يمكن تعرية آثارها والاستفادة منها فيما شابه تلك الحالات بأن ظاهرة العمل الجماعي، كما وصفت في تلك الدراسة، هي ظاهرة اجتماعية عامة، تنشًا - عادة - حول نواة ديناميكية متحركة تجتذب حولها - حسب قوة جاذبيتها الخاصة-العديد من الوحدات العاملة، لتدور في فلكها، وتتغذى بحرارتها، وتهتدي بمسارها، ثم لا تلبث تلك النواة أن تختفي لسبب أو لآخر، فماذا يكون مصير تلك الوحدات العاملة؟ وهل ينفرط عقدها ويتناثر جمعها؟! الاستقراء الذي تدفعه تلك الدراسة قد دل على طريقين: أحدهما يخضع لذلك التقليد الممقوت الذي يجعل التابع أقرب للآلة منه للإنسان، فلا يصح عنده إلا ما كان ولا مكان لجديد تحت الشمس! وما كان البطل الموهوب ليخطئ، بل وما كانت الظروف التي لابست وجوده وعمله لتتغير بما يستدعي إعادة النظر في منهاج عمله، وإن ظل الهدف ثابتًا .. إلى آخر تلك الظواهر التي هي إلى خواص النفس المريضة أقرب من النفس المخلصة.
(يُتْبَعُ)