فهرس الكتاب

الصفحة 7837 من 28557

والطريق الآخر يرجع -في حقيقة أمره - إلى دقة المؤسس الأول في رسم الخطوات التالية التي تضمن مسيرة المؤسسة للأكمل، كما يتأثر بمدى عمق الفهم وسعة الأفق واستيعاب المنهج لدى الصف الثاني من العاملين، حين تغير الظروف وتبدل الأحوال، فتنشأ حينئذ التخصصات، وتنمى المواهب، ويترك المجال مفتوحًا لكل اجتهاد يدفع عجلة التقدم، وتتسع الصدور للنقد البناء، وتتساقط دعاوى العصمة.

إلا أنه من الضروري الإشارة إلى قصور تلك الدراسة عن أن تشمل ذلك النمط الخاص الذي تفرد به أنبياء الله -صلوات الله عليهم-، فإن إطلاق ذلك التصور على كافة ما يطرأ على الاجتماع الإنساني في كل المجالات كما صور الباحث تجوُز لم لا يصح، إنما منشؤه عدم إدراكه لمعنى النبوة ودورها، فإن الأنبياء عليهم السلام، الذين هم أقطاب البشرية التي دارت حولها تجمعات إنسانية هائلة، واهتدى بهديهم البشر في كل زمان ومكان، لا يخضعون لذلك التحليل، إذ إنهم سادة المربين الذين أحسنوا توجيه الاتباع إلى خيري الدنيا والآخرة.

وثاني تلك الدراسة يختص بدراسة تصرفات الأفراد حين يعملون بشكل جماعي لتحقيق هدف من الأهداف، خلاف الأولى التي عنيت بشكل وتطور المجموعة البشرية كمؤسسة جماعية لا بأفرادها داخل تلك المؤسسة، وقد أوضح صاحبها وهو العالم الأمريكي"توم يرنز"أن نشاط الأفراد يتجه داخل المؤسسات الجماعية-أيا كانت طبيعتها وهدفها - إلى ثلاثة أشكال:

الأول - النشاط التعاوني:

ويعني أن الأفراد تنزع فيما بينها-وقد اجتمعت على هدف من الأهداف - إلى أن تتعاون لتحقيق ذلك الهدف، إذ هي تدرك بالفطرة أن قواها الذاتية منفردة لا تقوى على تحقيق الهدف إن لم تنضاف بعضها إلى بعض.

الثاني - الاتجاه التنافسي:

وهو يعنى أن الأفراد حين يعملون بشكل جماعي، وبرغم ضرورة التعاون التي يدركونها فيما بينهم، فانهم ينزعون -كأفراد أو كمجموعات -إلى التنافس على تحصيل أكبر قدر من الإمكانيات المتاحة داخل تلك المؤسسة لصالح فرد من أفرادها أو مجموعة من مجموعاتها على السواء.

الثالث - التعامل السياسي:

ولا يعني مصطلح السياسة في هذا المجال ما يتبادر إلى الذهن مما هو معروف من معاني السياسة الدولية الخارجية أو الداخلية، إنما يعني - بإيجاز - استخدام تلك الأساليب غير المباشرة التي يلجأ إليها الفرد - أو الجماعة - في ظروف خاصة، لتحقيق هدف معين، مثال ذلك من يحاول إبراز قيمة عمله الشخصي، وأهميته بالنسبة للصالح العام للمؤسسة، وكم يلاقي من متاعب في سبيل إنجازه، حتى يصل إلى هدف خاص -قد يكون مشروعًا في غالب الأحيان - كتثبيت وجوده داخل تلك المؤسسة، أو اكتساب قدر أكبر من الأهمية يمهد به لكسب معنوي أو مادي (8) .

ومع التأكيد على أمرين:

أولهما: خطر التعميمات والإطلاقات التي تطلقها تلك الدراسات على نتائجها واستقراءاتها.

والثاني: أن تلك الدراسة إنما كانت مادتها التي استمدت منها مشاهداتها، هي الجماعات الأوربية - أو الغربية على الأصح - التي تتميز بثقافة خاصة لها جذور نفسية معينة، كما أن لها وسائلها الخاصة في النظر للأهداف والوسائل على حد سواء.

إلا أنه لا يمكن القول بأن تلك الدراسة وإن كانت تتناول مجالًا معينًا من مجالات الاجتماع الإنساني في سبيل تحقيق أهداف مشتركة، إلا أنها في حقيقتها وصف لذلك التدافع الذاتي الذي أقام عليه الله سبحانه أمر الدنيا والناس، وهي صورة العلاقات البشرية المعقدة التي تحتاج إلى تشريح وتفصيل في كل دقائقها، ليتمكن الناس من نهج ما يصدر عنهم وعن غيرهم -أفرادا وقيادات - في مختلف المواقف والحالات.

ولاشك أن تحليل تلك القوى العاملة -على السطح وتحته - في المجتمعات الإنسانية يعطي تصورًا للمسلمين، يمكنهم من تقوية مجتمعاتهم وتحديد القوى السالبة التي تدفعهم للوراء، وتقليل آثارها ما أمكن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت