فهرس الكتاب

الصفحة 20973 من 28557

قال أبو حامد الأعمش كما في سير أعلام النبلاء (12/ 455) : (رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى(إمام من أئمة أهل الحديث) يسأله عن الأسامي والكُنى وعِلَلِ الحديث، ويمرُّ فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم. فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلَّم في اللفظ، ونهيناه، فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقرْبه فلا يقْربنا، فأقام محمد بن إسماعيل ها هنا مدة، ثم خرج إلى بخارى)

(( وقال محمد بن يحيى مرة: ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري، فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه ) ).

فانظر ماذا يصنع الحسد بأهله، حتى أضر نفسه، وأضر غيره بترك الاستفادة من علم هذا الإمام .. ثم أبقى الله ذكره، وردَّ حسد غيره، وهكذا تتكرر حكاية البخاري في العلماء والدعاة في كل زمان ومكان .. فسبحان الله مبتلي العباد بالعباد.

مفاسد هذا المذهب

مفاسد قبول كلام الأقران بعضهم في بعض، ونشر هذا بين الناس، كثيرة منها:

-تحمُّل إثم الغيبة، ونشر الفساد، فلحوم العلماء مسمومة، قال ابن عبد البر (1116) (( والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذَّمِّ، فلم يقنعوا بذَّمِّ العامة دون الخاصة، ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد ) ).

-الانشغال بذلك عن العلم والعمل والدعوة، فانظر إلى حال هؤلاء الذين دأبهم الكلام في الناس، وكيف أُشغلوا بذلك عن حفظ القرآن والسنة، وهل يزداد المرء بالفتن علمًا وأدبًا .. أم غفلةً وانشغلا .. قال بعض السلف: (( أمرنا الله بالإكثار من ذكره، فذكرنا الناس أكثر منه سبحانه ) )

-قساوة القلوب، بإشعال نار الضغينة والحسد بينهم، فانظر إلى هؤلاء، أو إلى نفسك إن كنت وقعت في ذلك، هل قلبك ازداد -بعد هذه الفتنة- رقة ولطفًا، أم قساوة وضغينة؟!.

-زيادة تفريق المسلمين وتحزبهم، وهذا أمر مشاهد لا ينكره عاقل، فإن نقل كلام الأقران بعضهم في بعضهم بين الناس، فرق الصف لأجل أشخاص، باسم المنهج، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

-فقدان الناس الثقة بالعلماء، حتى يصبحوا في حيرة من أمرهم، وقلق وفساد، وإذا فقدت الثقة، فمن يصدقون؟ ومن يسألون؟ وهذه المفسدة من أعظم المفاسد، وقد أدى هذا الأمر بكثير من الناشئة إلى ترك طلب العلم انشغالًا بذلك، أو فتورًا، إذ يقول له الشيطان: إذا كان العلماء كذلك، فكيف يُطلب العلم عندهم، أو يقول له: هذا ثمرة العلم فأعرض عنه.

فمنهم من عن العلم انتكس، بل منهم من عن التقوى أو الدين ارتكس -والعياذ بالله-: إذ يقول له الشيطان: (( إذا كان العلماء والدعاة يطعن بعضهم في بعض، فأي دين هذا؟ وأي تقوى هذه؟ ) )فيدفعه هذا إلى الانحراف والفساد ولقد رأينا من هذا أمثلة كثيرة، وأعلم رجلًا كان من أوائل من أشعل هذه الفتنة، فتنة كلام الأقران، وتتبع الزلات، وإلزام الإلزامات، وكان لا يغشى مجلسًا إلا أشعل فيه الفتنة ... ، وهو الآن قد افتتن في دينه وانتكس ويعيش وحيدًا منفردًا، قد أصابته الأمراض .. ومنها: أنه يتقيأ دمًا .. لقد سمَّه لحوم العلماء والدعاة.

ولما رأى أبو العتاهية الشاعر ذلك منهم، أنشد قائلًا:

بكى شجوَهُ الإسلامُ مِنْ عُلمائِهِ

فَما اكترثوا لما رأوا من بكائه

فأكثرهم مستقبحٌ لصوابِ مَنْ

يخالفُهُ مستحسنٌ لأخطائهِ

فأيهُمُ المرجوُّ فينا لدينهِ

وأيهُمُ الموثوقُ فينا برِأْيهِ

وقال أبو حازم (وهو من أجلِّ علماء السلف) - لمَّا رأى ما يجري بين بعض العلماء من التغاير والحسد - قال (( فهلك الناس ) )

قواعد الإنصاف في هذا الباب:

لقد خلط كثير من الناشئة في هذا الباب وخبط، وتحزَّب لذلك وفرَّق.

قال ابن عبد البر (1093) (( قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك ) ).

قلت:كأن ابن عبد البر رحمه الله يعيش في زماننا، وما أكثر النوابت في كل زمان.

القاعدة الأولى:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت