فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- (( لا يقبل -أي الجرح- فيمن صحت عدالته، وعُلمت بالعلم عنايته، وسَلِمَ من الكبائر، ولَزِمَ المروءة والتعاون، وكان خيرهُ غالبًا، وشرهُ أقل عمله، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهانَ له به، وهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله ) ).
ولما كذَّب مالك عبد الله بن زياد ووثَّقه غيره قال ابن وهب: (( لا يقبل قول بعضهم في بعض ) )قالهما ابن عبد البر في جامعه (1093) ، (1106) .
وبتعبير آخر: إذا صحت أصول الرجل، واستقام منهجه، ولم يتبين منه ضلال ولا فسق، فلا يقبل قول بتضليله إلا بدليل كالشمس وضوحًا، وكالجبال ثبوتًا. أما مخالفته في مسائل - مهما كانت - لأقرانه، أو لمن هم فوقه مع صحة تأصيله، واستقامة استدلاله، فلا يلتفت إليها أبدًا، مادامت في إطار الاجتهاد المشروع، فقد مضى خلاف أهل السنة والجماعة في قضايا في العقيدة ومسائل في الأصول والفروع، وما أكثرها .. وإذا مضى الأمر باجتهاد من أهله فلا يُعاب على قائله، ومن عاب في ذلك فقد خاب، ومن ضلل فقد ضلَّ، ومن بيَّن وعذر فقد سلم، ومن خطّأ ونصح فقد برئ.
وإذا رُدَّ قول مالك والشافعي و ابن إسحاق وأبو حنيفة وابن المبارك وقتادة وابن أبي ذئب وعِكْرِمَة وسعيد بن المسيَّب وغيرهم كثير، إذا رُدَّ قول هؤلاء في أقرانهم، وهم من أعظم أئمة الهدى - أفلا يُرّدُّ قول من هو دونهم، أفلا يرد قول مجهولين، فيمن عُرفت عقيدته، وبان منهجه، واستقام أمره، ولكن؛ كثر حساده. اللهم هداك
القاعدة الثانية من قواعد الإنصاف في هذا المقام:
أن لا يقبل قول جارح إلا بعد التثبت بالطرق الشرعية، والقواعد القضائية، لا بالمكالمات الهاتفية، والإلزامات الظاهرية، والقرائن الظنية، وأن لا يكون بينهما خصومة ولا منافسة ولا حسد.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (( والصحيح في هذا الباب: أن من صحَّت عدالته .. لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، يصح بها جرحته على طريق الشهادات .. ) ).
واشترط رحمه الله أن يكون المتكلم بريئًا:
(( من الغل والحسد .. والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله .. ) )
فأين هذا التقرير العظيم؟ - وهو عدم قبول جرح من شُهِدَ له بالعدالة - إلا (( على طريق الشهادات ) ).
أين هذا من اتهامات الدعاة بعضهم بعضا، بلا بينة ولا تقوى، سوى الظنون الفاسدة، والإلزامات الباردة.
القاعدة الثالثة:
لا يُسقَطُ علم هؤلاء ولا علم هؤلاء -الذين جرحوا بعضهم- بل يُؤخذ الحق ممن وُجِدَ عنده، من غير التفاتٍ إلى طعونِ بعضهم ببعض، ولو أنَّا أسقطنا كل عالم تكلم فيه قرينه، لما بقيَ لنا أحد، فقد تكلم ابن معين -كما سبق معك- في أئمة أهل السنة، فردوا قوله، وقبلوا علمه، ولم يبدعوه، ومن قبله الإمام مالك كذلك.
القاعدة الرابعة:
أن يُطوى كلام بعضهم في بعض ولا يُروى، و أن يُدفن ولا يُنشر، ونستغفر لهم جميعًا.
قال تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) [2]
والله أسأل أن يجنبنا جميعًا هذا الأمر.
مذهب أهل السنة في الخلاف:
الخلاف أنواع:
خلاف الترف:
تعريفه: هو كل خلاف لا يترتب عليه عقيدة أو عمل، أو ثمرة، أو مخالفة نص.
مثاله: عدد أصحاب الكهف ومكانهم -شجرة آدم التي أكل منها؟ - الجنة التي خرج منها آدم؟
قاعدته وحكمه لطلاب العلم: لا ينبغي، حفاظًا على الوقت، وحتى لا يتأسى الناس بهم.
حكمه للعوام - ولو كانوا مثقفين: ينصحون بتركه وإلا فيتركون .. حتى لا ينشغلوا بغيره من الحرام.
خلاف التنوع: هو كل خلاف يجوز فيه أكثر من وجه.
قاعدته وحكمه: يحرم الشقاق فيه، ويختار المسلم منه ما يراه، أو ما كان في مصلحته.
مثاله: تعدد أدعية الاستفتاح في الصلاة - اختيار الزواج أولًا أو الحج.
خلاف الاجتهاد أو الخلاف المعتبر:
تعريفه: هو كل خلاف صدر ممن اتصف بثلاث.
-أهلية الاجتهاد: وهي توفر شروط الاجتهاد فيه، التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة.
-أصوله صحيحة: أي: أصول دينه، وأصول اعتقاده، وأصول استنباطه، على منهج أهل السنة والجماعة.
(يُتْبَعُ)