فهرس الكتاب

الصفحة 4749 من 28557

ويذكر أنبياءه ورسله وينوه بحبهم وحنانهم ويحدث عن أشواقهم وتفانيهم في هذا الحب، فيقول عن يحيى: **وأتيناه الحكم صبيا * وحنانًا من لدنا وزكاة وكان تقيًا ويحكي قصة خليلة إبراهيم كيف آثر حب الله وطاعته على حب ولده وفلذة كبده وكيف وضع السكين على حلقومه وحاول ذبحه حتى شهد ربه بصدقه وحسن بلائه وقال: **وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين

وذلك سر إطالة القرآن في ذكر صفات الله وأفعاله وآلائه ونعمائه بها والعودة إليها مرة بعد مرة، فإن الصفات هي التي تثير الحب وتبعث الحنان، وتوحيد الأشواق وذلك سر تفصيل القرآن الذي يعبر عنه بعض علماء الكلام وأئمة الإسلام (بالنفي المجمل والإثبات المفصل) فإن الإثبات هو الذي ينبع منه الحب ويفيض منه الحنان وتنبعث به الأشواق وتتغذى به العاطفة، فإذا كان النفي رائد العقل كان الإثبات رائد القلب، ولولا هذه الصفات العليا وأسماء الله الحسنى التي تطق بها القرآن، ووردت بها السنة، وهام بها الهائمون، وتغنى بها العارفون، وسبح بها المسبحون، وسبح في بحارها ونزل في أعماقها الغواصون، لكان هذا الدين خشيبًا جامدًا لا يملك على أتباعه قلبًا، ولا يثير فيهم عاطفة، ولا يبعث فيهم حماسة، ولا يحدث في القلب رقة، ولا الصلاة خشوعًا، ولا في العين دموعًا، ولا في الدعاء ابتهالًا، ولا في الجهاد تفانيًا، وكانت علاقة العبد بربه علاقة محدودة ميتة لا حياة فيها ولا روح، ولا سعة، وكانت الحياة كلها حياة رتيبة خشيبة، لا عاطفة فيها ولا أشواق، ولا حنان فيها ولا هيام، وإذا أي فرق بين الحياة والموت وبين الإنسان والجماد؟

لقد كان المسلم في حاجة إلى غذاء للقلب، وإلى زاد للعاطفة، وإلى أن يقضي شوقه ويروي غلته مرة بعد مرة وعلى فترة بعد فترة، أو كان في حاجة أن تطفح كأسه، فما قيمة كأس لا تطفح أبدًا؟ وكان في حاجة إلى أن يثور على عقله الرزين الوقور المقلد المطبق، وما لذة حياة لا ثورة فيها ولا تمرد؟ وكان في حاجة إلى أن يتخطى الدائرة المرسومة من عادات ومألوفات وقوانين وضعية وحضارة مصطنعة ومجتمع قاس، ويفك قيوده وأغلاله، وينزع الزمام من يد عقله الذي استبد به زمانًا طويلًا ويعطيه لقلبه وعاطفته فيتحكمان فيه ما شاء، ويهيم على وجهه كما هام الهائمون ويذهب في الحب كل مذهب كما فعل العشاق المتيمنون، فلا حرية لمن ملكه المجتمع وسيطرت عليه الحضارة وتسلطت عليه آلهة التقاليد و (الموضات) ولا توحيد لمن أسرته العادات والمألوفات والشهوات.

لقد كان للمسلم أن يقضي هذا الشوق وأن يبرز هذا الحنان وأن تفيض كأسه في الصلوات التي يصليها كل يوم فيسلي بها قلبه، ويطفئ بها غلته، ويهدي بها ثائرته، ويخفف بها حرارة شوقه ووهج نفسه، ولكنها قطرات معدودة تكون خشوعًا أو تسقط دموعًا، إنها قطرات قد لا تفي بما يجيش في الصدر من حنان وولوع، وهي قطرات قليلة في بعض الأحيان، لا تسمن ولا تغني من جوع.

وكان للمسلم أن يروي ظمأ روحة، ويقضي حاجة حنانه ويكسر سورة نفسه، ويثور على (وثيقة) عاداته ومألوفة، وأن يغذي روحه بتخليه معدته في شهر رمضان، ولكنها ساعات معدودات كذلك، محفوفة بما يخفف أثرها ويضعف سلطانها من أكله متخمة، وري مسرف، وراحة منعمة، ومجتمع ثائر ومدنية قد أحاطت بالصائم كما تحيط البحار المتلاطمة بجزيرة صغيرة، فكان المسلم - بكل ذلك - في حاجة إلى طفرة أو قفزة واسعة يفك بها أغلاله وسلاسله، وينسخ بها من سجنه الضيق القديم العتيق الخالق، وينتقل من عالم كله قديم مألوف، ومقيد محدود، ومخطوط مرسوم، ومصنوع معمول، إلى عالم كله جديد وطريف، وحر منطلق، وثائر مارد كله حب وغرام، وشوق وهيام، قد حرر من كل رق وثار على كل وثن، وكفر باختلاف الجنس واللون والوطن، وآمن بوحدة الإلهية، وبوحدة الحكم والملك، وبوحدة المنعم والوهاب، وبوحدة الإنسانية، وبوحدة العقيدة، وبوحدة المطلوب، وهتف الناس جميعًا بصوت واحد:

(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت