لقد كان المسلم في حاجة - بعد هذه الصلوات التي يصليها كل يوم، وبعد شهر رمضان الذي يصومه كل عام، وبعد الزكاة التي يقوم بها إذا تم النصاب وحال الحول - لقد كان بعد ذلك كله في حاجة إلى أن يشهد موسومًا هو ربيع الحب والحنان وملتقى المحبين والمخلصين، ومشهد العشاق والهائمين، وكان ينبغي أن يكون ذلك في مكان قد قام فيه أكبر المحبين وإمام المخلصين، وأشد الناس حبًا لله، وأحبهم إلى الله في عصره، وأسرته الصغيرة الطيبة المباركة بأكبر دور في الحب والولاء، والإخلاص والوفاء والإيثار والفداء، وقاموا بأروع وأجملها في تاريخ الحب السامي والولاء الطاهر والإخلاص المعجز، وجاء من بعدهم الأنبياء والمرسلون، والموحدون المخلصون، والمحبون المتفانون في كل عصر، فنسكوا مناسككم وشهدوا مشاهدهم، واحتذوا حذوهم، وترسموا خطاهم، وحكموا هذه الرؤية وأعادوها، فطافوا حول البيت، وسمعوا بين الصفا والمروة، ووقفوا بعرفات، وباتوا في المزدلفة، ورموا الجمرات، ونسكوا في منى، وكان في المكان والزمان وفصول الرواية التي يعيدونها، والأعمال التي يقلدونها، ونسائم الحب التي يستنشقونها، والجو الفائض بالإيمان والحنان الذي يعيشون فيه وطبقات الأمة التي يتصلون بها ويعاشرونها ما يعيد الحياة إلى القلوب الميتة، ويحرك الهمم الفاترة، وينبه النفوس الخامدة، ويشعلل شرارة الحب والطموح التي انطفأت أو كادت تنطفئ، ويجدد الصلة بإمام الملة الحنيفة ومؤسسها إبراهيم الخليل ويمكن به التشبع بروحه والمحافظة على إرثه، والمقارنة بين حياتنا وعرضها عليها، واستعراض ما يعيش فيه المسلمون في العم، وتصحيح ما وقع في حياتهم من أخطاء أو فساد أو تحريف، وإعادة ذلك كله إلى أصله ومنبعه، فالحج عرضة سنوية للملة تضبط أع المسلمين وحياتهم ويتخلصون بها من نفوذ الأمم والمجتمعات التي يعيشون فيها.
أما بعد، فإن الوحدة التي تربط مناسك الحج وأجزاءه وأعماله بعضها ببعض، والتي تسيطر عليه من أوله إلى آخره، هي تهيئة الفرصة للمسلم لقضاء شوقه، وإبراز كوامن حبه، وإطفاء غلة روحه، وتقليد إمام الملة في حبه وإيثاره وفدائه، وهي السر الذي يسهل به فهم مناسك الحج وحكمتها وما تنطوي عليه من معان عميقة دقيقة، ويعلل به السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة ن ورمي الجمرات، واستلام الحجر الأسود إلى غير ذلك من مناسك الحج وأعماله، وقد تعب من لم يفهم هذا السر في تعليل المناسك وللبحث عن فلسفة الحج، واقتصر على الإشادة بفوائده الاجتماعية والسياسية، وأساء إلى نفسه وأتباعه.
إنه لمن المؤلم للنفس حقًا أن المسلم بالمئات بله الألوف في سبيل الذهاب إلى بلاد الإفرنج يعملون بها المدافع، ويصوغون منها القنابل، وآلات التخريب والتدمير، يتحكمون بها في رقابنا، ويقضون على البقية الباقية من حقوقنا واستلالنا، ثم تراه يضن بالعشرات في سبيل بلاده، بلاد المجد المؤثل، وموئل الإسلام، ومسقط رأس أعظم مخلوق دب على الأرض، وهو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
نسأل الله - عز وجل - أن يهيئ لنا أمرنا رشدًا، وأن يوقظ نفوسنا ويوجهها وجهة الخير، ويصرفها عن الشر، وأن ينير بصائرنا لنرى سواء السبيل، وأن يحول حالنا إلى أحسن حال، وأن يرزقنا في القريب العاجل حج بيت الله الحرام، والتشرف بزيارة الروضة الشريفة وما ذلك على الله بعزيز.
نقلا عن موقع المختار الإسلامي