فهرس الكتاب

الصفحة 25684 من 28557

بل لماذا لم نبادر نحن بغزو تلك المجتمعات التي لا تعرف عنا إلاّ ما يلقيه عليها الحاقدون .. ولا تعرف عن الإسلام بكل سعته ورونقه وسماحته إلاّ غزوات جماعات التكفير والتفجير وقتل الأبرياء .. ومنع المرأة من قيادة السيارة، والتعدّد في الزواج، وقطع يد السارق، ورجم الزاني .. وهي مسائل محدودة منتقاة بعناية لاستعمالها في تشويه صورتنا في الغرب، وكل من وصلته هذه المسائل قبل غيرها فلا عجب أن يكنّ للإسلام والمسلمين كلّ الكراهية والنفور: انظر لقول عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد -صلى الله عليه وسلم- وإني لجارية ألعب: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) . [القمر:46] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلاّ وأنا عنده» [أخرجه البخاري] ، قال الحافظ: «أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل, وأنّ أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد, والتبشير للمؤْمن والمطِيع بالجنةِ وللكافر والعاصي بالنار, فلما اطْمانت النفوس على ذلك أُنزِلت الأحكام, ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندعها؛ وذلك لما طُبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف» [الفتح: 9/ 40] .

كل هذا لم يحدث، بل الذي حصل أنّنا بعد سنوات من اختراق القنوات لآلافٍ من أكثر البيوت تحصنًا منها، وتربّعت الأطباق الفضائية - بأشكالها وأنواعها - على أسطح منازل كثير ممّن كان يحرّمها من قبل، بدأنا بعد ذلك نجري خلفها نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه لكن هيهات .. الصيف ضيّعت اللبن .. !!

لقد كان المشاهد العربي المسلم - الذي نلقي عليه اليوم باللوم لدعمه ومتابعته لقنوات تفسد عليه دينه ووعيه - كان هذا المشاهد ليقف معنا ويرضى منا بأقل القليل من إعلام واعٍ هادف يرفع من سقف الحرية - الذي كان مدفونًا تحت الأرض - ويتيح له بعض القدرة على التنفس والمناقشة والحوار وطرح الآراء، ويناقش همومه، ويعلي صوته المكتوم منذ دهور، ويخرج عن الأداء الرتيب المملّ الذي كان يفرض عليه عبر التلفاز الرسمي ..

أنا على مثل اليقين أن لو سبق الإعلام الملتزم إلى الساحة لوضع هو قواعد اللعبة وفرض هو أصول أخلاقيات المنافسة .. ولأحرج مَن بعده، أو على الأقل ضيّق الفجوة بين القيم وبين ما تعرضه الفضائيات من مضامين مخالفة للموروث القيمي لهذه المجتمعات.

وحتى الآن لم يولد بعد إعلام إسلامي محترف، بل أفضل الموجود هو ممارسة هواة تذكرنا بحفلات الجوالة في الجامعات، وبعض القنوات لا يجوز أن تُصنف أصلًا كإعلام لأنّها أقرب ما يكون إلى تصوير ونقل أو محاكاة لمحاضرات وأنشطة تُمارس خارج الأستوديو، وليس هذا من شأننا الآن.

لكن غرضي أنّ من عارضوا القنوات الفضائية، وحذروا منها هم أنفسهم - في الجملة - من يحاولون اليوم المنافسة فيما أحجموا عنه بالأمس.

منهج (توجّس شرًا) :

وإذا نظرت حولك الآن فلن تعجز عن معرفة أنّ المأساة تتكرر في مجالات عدة؛ في مجال حقوق الإنسان والمرأة بالذات، في مجال الفن والإعلام، في مجال العلم والتقنية .. وغير ذلك، ترى المشهد نفسه يتكرر ..

فبدلًا من المبادرة ندفع بالصدر في وجود مشاريع مهمة، فيها كثير وكثير من الحق لأجل أنّ فيها بعض الباطل .. ولا أريد تسمية نشاط معيّن؛ لأنّ ذلك سيجرّ إلى نقاش في الجزئيات وغرضي هنا أصل الفكرة ..

حسنًا لماذا كان فيها هذا الباطل؟

لأنّ أصحاب المبادرة إليها لا يرون ذلك باطلًا، بل أسّسوها حسب رؤيتهم هم وثقافتهم هم .. !!

ولو كنا نحن أصحاب المبادرة لكان لنا أن نقدمها ونؤسسها بعيدًا عن الباطل .. أليس كذلك؟

أيضًا في جانب المواثيق والمعاهدات الدولية - وكمثال - في مجال الحريات نقف دائمًا موقف المتفرج .. ونرى بأمّ أعيننا سياسات كتم الأنفاس ومصادرة الآراء التي تدور في فلك المعقول والممكن شرعًا دعك من غيرها ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت