فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حتى إذا بادر غيرنا وأسس ميثاقًا أو جمعية وصاغ مبادئها بحسب ثقافته هو، فبدلًا عن المشاركة والنصح والحوار واستغلال المشترك وبيان وجهة النظر، نكتفي بالطعن في تلك الجمعيات وثلبها وسلبها كل حسنة بسبب بعض مبادئها المخالفة في نظرنا لديننا وهويتنا، مع أنّ هذه الجمعيات في كثير من الأحيان هي التي تقف مع كثير من المعارضين لها في وقت المحنة .. وكم من قضية إسلامية بحتة لم يقف معها ويساندها إلاّ جمعيّات نحن أكثر المخالفين لأساس وجودها ..
حقوق المرأة: عنوان يحمل الكثير من الريبة لنا .. وهذا صحيح، لماذا؟
لأنّ الذين أسّسوا هذا الشعار وما تحته من جمعيات ومواثيق ومؤسسات ضمّنوه ما يصادم شريعة الله .. وهذا طبيعي لأنّهم أصلًا لا يؤمنون بالإسلام دينًا، ولا بهذه الشريعة .. هكذا هي ثقافتهم وهذا هو واقعهم الذي انطلقوا منه ..
ونحن ظلَلنا هنا في مجتمعاتنا في مباينة ومصادمة شديدة لأي نداء بحقوق المرأة، متوجسين من تسرّب شيء من ثقافة الجمعيات الدولية وقوانينها إلينا ..
لكن السؤال: ألم تكن المرأة لعقود - ومازالت - تتعرض للظلم من فئات كبيرة في المجتمع، كونها الأضعف والأقل قدرة على رفع الصوت؟
لقد شهدت بأمّ عيني حالات من الظلم الذي لا حدود له على بعض النساء في محيطنا الاجتماعي ..
كنت عاجزًا عن مد يد العون لهنّ؛ لأنّه لا يوجد المساند الحقوقي ولا القانوني .. ولا القناة الصّحيحة لإيصال العون والمساندة، وحتى عندما أوصلت شكوى بعضهن إلى القضاء أو الجهات الرسمية لم يكن لهنّ القدرة على الخروج والتواصل مع ساحات القضاء والجهات المعنية .. فلا مال ولا معين ولا سامع شكوى إلاّ الله تعالى ..
لماذا لم يبادر المتوجسون - وأنا منهم - إلى تأسيس المواثيق والجمعيات التي تنادي بحقوق المرأة (المشروعة) ، وتدافع عن المظلومات منهن ممّن لا ناصر لها .. وتتواصل مع الجمعيات الدولية وتتحاور معها، وتطرح فكرها وتفسّر مواقفها التي يفهمها الآخرون على أنّها عداء سافر للمرأة .. وتمييز ضدّها، وما أجمل ذلك إن كان المتولي لهذا الحوار الكفاءات النسائية التي متّع الله بها هذه البلاد، وهنّ كثيرات .. بدلًا عن القطيعة التي سمحت لبعض التائهات أن يترشّحن ليكنّ هنّ صوت المرأة في المحافل الدولية.
ألم يكن ذلك أجدى وأنفع من البقاء في سجن الخوف والتوجس حتى جاءت المبادرة من غيرنا، فأسسوا وطالبوا وفق معاييرهم التي نختلف معهم فيها؟ فأصبح كلّ همّنا توقيع البيانات التي تعاند الكلّ من أجل البعض، وتحرم الحقوق المشروعة مع غير المشروعة.
ماذا كان ينقصنا حتّى نفعل ذلك؟
هل كان ينقصنا المال أو القدرات؟ الجواب: لا.
بدليل أنّ مشاريع التفجير والتكفير وتأسيس المجموعات التخريبية استهلك أموالًا طائلة، وكان بعض التجار يدفع تحت تأثير بعض الفتاوى مبالغ كبيرة لو وجهت ووظفت في الجانب المدني الإسلامي الذي يتفق معنا فيه حتى الذين نخالفهم في توجّهات ليبرالية أو علمانية لكان نفعه وأثره صعب التصوّر.
لِمَ لم نفعل كل ذلك إذًا؟
هل كان ينقصنا القدرات؟ الجواب: لا.
بدليل أنّ بعض الجمعيات الإسلامية الناجحة - بغض النظر عن اختلافنا مع بعضها - تديرها عقول وقدرات في غاية الذكاء والاحترافية، لو أنّها وجدت من يفعّلها ويطوّرها.
الموضوع كبير واسع .. وغرضي أن أنتزع من سيرة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ومن مواقفه ومقولاته الإشارات ذات المغزى البنّاء الذي وظّفه الصحابة -رضي الله عنهم- وبان أثره، وكذلك فعلت الأمّة في كلّ الأزمنة التي شهدت قوّتها وتحضّرها ورقيّها ..
آن الأوان لتوجيه بوصلة التفكير والعمل نحو تلمّس الخطر قبل أن يقع ومواجهته مواجهة نابعة من العمق الحضاري للإسلام ..
لا بد من إعادة توزيع مناطق التفكير والتحليل في العقل الإسلامي؛ لإحلال المشاركة بدلًا عن المقاطعة .. وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»
والمبادرة بدلًا عن قلق الانتظار، ومن ثمّ السقوط من أوّل مواجهة.
ما زالت كثير من المساحات شاغرة تحتاج إلى مشاريع مبادرات واستباق، وعلينا أن نفكر من الآن بمبدأ"الآن نغزوهم ولا يغزونا"..
فهي معادلة حتمية النتيجة، إن لم تبادر بالغزو غزاك الآخرون .. نحن في تنافس حضارات إن لم يكن صراعًا ..
فلابدّ من المبادرة والسّبق إلى كلّ ميدان لنا فيه فسحة .. والفسحة يعني أن يكون لديّ سعة في تقبل الخلاف في مسائل معيّنة ..
فالفرد يسعه ما لا يسع الجماعة .. والفسحة ألاّ تقف مشاريعنا الكبرى من أجل رأي مخالف .. فالمخالف يسعه ألاّ يشارك، وأن ينصرف لما يحسنه .. وليعذر من خالفه ..
ولا ينبغي أن تكون الأمّة كلّها حبسًا ووقفًا على رأي البعض، بل كلّ مسألة فيها خلاف معتبر -خاصة المسائل الحادثة - فإنّ ذلك مجال للمبادرة والسبق والتأسيس فيه ..
أنا أعلم أنّ مثل هذا الكلام لا يروق لكثيرين .. لكنّ التفكير الواعي المنطقي كفيل بأن يثبت صحّته، والله من وراء القصد.