فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تنتَشِر في بلادنا وتُنفَق عليها الملايين والمليارات، ويضيِّع الناس كثيرًا من أوقاتهم بها، وينبَغِي أن ننهى الناس عن تعذيب أنفسهم بالصوم في رمضان وإرهاقها بالصلاة في لياليه، كما أنَّ علينا أيضًا - والحال هذه - أن نخلِّي بين الناس وبين شهواتهم ولذَّاتهم، فلا نحرِّم عليهم شيئًا منها، بل ندعهم يعبُّون منها قبلَ أن يَحُولَ الموت بينَهم وبينها لأنَّا لا نؤمن ببعث ولا نشر.
فلنختر لأنفسنا واحِدًا من هذين الأمرين فحسب، ونحدِّد وجهَتَنا، ونُخضِع حياتنا لأحدِ المبدأَيْن، أمَّا أن نقف في هذه المساحة الرماديَّة الباهِتَة نأخُذ من الإسلام بعضَ شعائره ونمتثلها كالصلاة والصوم والصدقة، ثم نشرع في محاربة البعض الآخَر من تلك الشعائر وندعو للمجتمع المدني، كما هو حالُ أصحابِ الفكر العلماني والليبرالي الذين يَزعُمون أحيانًا أنهم أكثر الناس إيمانًا وحبًّا لله ولدينه ولرسوله - فهذا هو الضَّلال والتضليل والجريمة الكبرى في حقِّ النفس والآخَرين.
ولقد عاب القرآن هذا المنهج وتوعَّد أصحابه؛ فقال - تعالى: ? أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ? [البقرة: 85] .
أليست جريمة وضلالًا وتضليلًا حين تكون عقيدتنا أنَّنا مجزيُّون على كلِّ صغيرة وكبيرة، كما جاء ذلك في الكتاب الذي نؤمن به، وعلى لسان الرسول الذي نتَّبعه، ثم ندعو لإطلاق أيدي الناس في ارتِكاب الفواحش والمنكرات، وركوب الشهوات واتباع الهوى، والجري وراء اللذَّات، مبرِّرين دعوتَنا بأنها مُحافظة على الحريَّة الشخصيَّة للناس، وألاَّ يكونوا أسرى لآراء غيرهم، وأن تكون قناعاتهم داخليَّة محضَة لا عن أيِّ سلطة أو سلطان خارجي، كما ينعق بذلك فِئامٌ من الليبراليين والعلمانيين.
أليست جريمة وضلالًا وتضليلًا أن نكون آمنَّا بحكمة الله المطلَقة، وعلمه المطلق المحيط بما كان وما سيكون، ورحمته الواسعة، وأنَّ لشرعه الكمال كما أنَّ لذاته الكمال، ونتمدَّح كمال شرعه في الجوانب الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، ثم نُصدِر الكتب والصحف والرِّوايات لنُلمِح أحيانًا ونصرِّح أحايين أخرى بأنَّ تحريم الربا، وقطع السارق، ورجم الزاني، وقتل المرتد، وضرب الجزية على المشرك، وإعطاء المرأة نصف ميراث الرجل، وتعدُّد الزوجات، وإناطة الإمامة الكبرى بالرجال دون النساء، وأشباهها - ليست من الرحمة ولا من الحكمة، ولا تَصلُح في القرن الحادي والعشرين؟!
أليست جريمة وضلالًا وتضليلًا أن نُصلِّي ونصوم ثم نرفض الإسلام بصورته الكاملة كما أنزَلَه الله لأنها - في زعمنا - غير قابِلة التطبيق في العصر الحديث، ثم نُجهِد أنفسَنا ونستَنزِف أعمارَنا في مُعارَضة القطعيَّات بتَفاهات عقليَّة محضة، أو نلجأ - عندما نخشى افتِضاحنا - إلى الأحاديث الضعيفة والآراء الشاذَّة لنكسب جولةً من معركتنا مع النصوص الثابتة الصريحة؟!
أليس غشًّا وخِداعًا وتَضليلًا حين تكون عقيدتنا أنَّ الآخِرة هي المستقرُّ، وهي الحياة حَقًّا التي لا بُدَّ أن نعمَل لها ليلَ نهار، ونحث غيرنا على ذلك حتى لا يُدرِكه الخسران، ثم يَزعُم بعضنا أنَّ الكلام عن النار والقيامة من العلم الذي لا ينفع والجهل الذي لا يضر، وأنَّه مُفسِد لأمزجة الناس ومنغِّص لعيشهم ولذَّاتهم؟!
أكرِّر: إنَّ علينا جميعًا أن نَصدُق مع أنفسنا، وأن نتحلَّى بالشجاعة في التمسُّك بأفكارنا ومبادئنا، فإمَّا قبول الإسلام كله والعمل به وتطبيقه كله ما دمنا مسلِّمين بأنَّه حقٌّ ومن عند الله - تعالى - لأنَّه حينئذٍ صالحٌ للتطبيق، بل واجب تطبيقه في القرن الحادي والعشرين والقرن الخمسين إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، كما كان صالحًا للتطبيق يوم عرفَتْه الأرض لأوَّل مرَّة.
وإمَّا رفضه كله وردُّه كله إنْ كُنَّا نرى أنَّ فيه خللًا ونقصًا وعيبًا؛ لأنَّه حينئذٍ ليس بدين الله، ويتوجَّب علينا في هذه الحالة أن نتحلَّى بالشجاعة الأدبيَّة ونُعلِن على الملأ كفرَنا به، وبالإله الذي شرعه، والرسول الذي بلَّغه، وساعَتَها يُصبِح من حقِّنا بل من واجبنا أن نُهاجِمه ونَطعن فيه كما نحبُّ؛ لأنَّنا أبنَّا عن رفضنا له وأعذرنا إلى الناس؛ إذ كفَرنا به وتخلَّينا عنه.
لكنَّه ليس من الشجاعة ولا من النُّصح ولا من الأدب ولا من احترام الناس أو الذات في شيءٍ - أن يقوم بعضُهم بالتشكيك في نبوَّة محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكون القرآن وحيًا من عند الله - تعالى - ويجعل الإسلام والقرآن من بنات أفكار محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم عندما يُهاجِمه المهاجمون، وتُعلِن مؤسَّسة دينيَّة رسميَّة أنَّ أقواله تلك كفرٌ مُخرِج من الملة - يخرج على الفضائيَّات معلنًا أنَّ الله ربه ومحمدًا رسوله، وأنَّه إنما أراد بذلك قراءة الإسلام قراءة عصريَّة عبر الدراسة (السسيولوجيَّة) التي قام بها لتجديده من الرُّكود الذي أصابَه عبرَ القرون؛ فتكون النتيجة أن تتَّصل إحدى المُشاهِدات فتستهل مشاركتها بأنها قد حجَّت بيت الله سبع مرَّات، ثم تدعو إلى الكفِّ عن مهاجمة هذا الرجل؛ لأنَّه يقدم إسلامًا متنورًا!
إنَّ مثل هذا السلوك لَهُو الخَوَرُ بعينه، والجبن بحقيقته، والانتهازيَّة بِحَذافِيرها، وما هذا إلا مثالٌ من مِئات وألوف الأمثلة التي تُحاوِل هدمَ الصرح الإسلامي، وهي تبدأ عمَلَها وتُنهِيه مُبسمِلة محمدلة مصلية على خاتم الأنبياء، فالتبس الغيم بالصَّحو، والظُّلمة بفلق الصبح، واختَلَط الحابل بالنابل، والرغوة بالصريح، وحسبُنا الله ونعم الوكيل.
آخر مقالاتي بشبكة الألوكة، وهذا رابطها:
(يُتْبَعُ)