فهرس الكتاب

الصفحة 26636 من 28557

شكل (1) : مثال للسلسلة العظمى للكائنات! (2)

وبمرور الوقت اكتُشِفت أنواعٌ جديدةٌ من الحيوانات، لتأخذ مكانها - أو بتعبير أدق لتوضع - في هذه السلسلة بحسب ما يُنسب لها من صفات، حتى بدأ اكتشاف كائناتٍ منقرضةٍ يزعزع الثقة في مفهوم السلسلة، وكانت هذه ضربةً قويةً لمفهوم الكمال المفترض في السلسلة، وظهرت الحاجة لتطوير هذه السلسلة والتعديل فيها، وبالفعل تعرضت لتعديلاتٍ كثيرة، حتى آل الأمر حديثًا إلى التصور الشجري للكائنات الحية، حيث التفرع والتشعب، ولا مانع من انتهاء أحد الفروع عند جنسٍ منقرض، وفي هذا التصور ينتج كلُّ فرعٍ عن أصله.

ونعود إلى نص"إخوان الصفا"فنجد أنه ينسجم مع فكرة"سلسلة الكائنات"، فما هو إلا ترتيب الكائنات جميعًا، دون ادعاء أن نباتًا يتحول إلى حيوان، أو أن حيوانًا يتحول إلى إنسان، وكيف ينسب القول بالأصل الواحد للأنواع لمن يقول (واعلم يا أخي بأن الحيوانات التامة الخلقة كلها كان بدء كونها من الطين أولًا ذكرًا وأنثى، ثم توالدت وتناسلت وانتشرت في الأرض سهلًا وجبلًا وبرًّا وبحرًا من تحت خط الاستواء ... وهناك أيضًا تكون أبونا آدم أبو البشر وزوجته، ثم توالدا وتناسلت أولادهما وامتلأت الأرض منهم) (3) ؟!!

شكل (2) : صورة من"إخوان الصفا"تنفي تمامًا ما يقوم به بعض الكتّاب من محاولة نسبة القول بالتطور له.

فهذا مثالٌ من حال من يُنسب إلى القول بالداروينية، رغمًا عنه وليًّا لعنق قوله، في حين أنّ حقيقة قوله إثبات قضيةٍ حلت الداروينية محلها، وهي قضيةٌ ليست من الإسلام في شيء، وإنما دخلت في كتابات بعض أهل القبلة من تأثرهم بفلسفة اليونان، وإذ رأيتَ أن ما نسبوه لإخوان الصفا لا يصح، فمثله ما نُسب لابن مسكويه والقزويني وغيرهم، إذ ما استدلوا على نسبتهم للقول بالتطور، إلا بنصوصٍ تشبه - أو هي أدنى من - ما نقلتُ من"إخوان الصفا"، أُخذت بسوء فهمٍ وحكمٍ مسبق، وهي عندما تؤخذ في سياقها، تكون على نقيض ما نسبها إليه بعض الباحثين في التوفيق بين الإسلام ونظرية التطور!

وأشد من ذلك في الجناية على أصول البحث، ما فعله جون آفري (4) من نسبة القول بالتطور، لابن رشد الحفيد خلفًا عن أرسطو، زاعمًا أن كتابات ابن رشد أحدثت صدمةً للقارئ المسلم والنصراني على السواء، ثم يزيد أن فكر ابن رشد وصل إلى أوربا، ومنه كانت البذرة التي نمت إلى الداروينية بعد ذلك، والسؤال الذي نبحث عن جوابه ليس في تأثير ابن رشد في الفكر الأوربي، ولا في دور ابن رشد في نشر فكر أرسطو، فذانك أمران ثابتان تضافرت على صحتهما الأدلة، ولكن السؤال هو عن قضية التطور في أنواع الكائنات الحية، هل حقًّا قال ابن رشد بها؟!

شكل (3) : صورة من ترجمة شرح ابن رشد لأعمال أرسطو إلى اللغة اللاتينية في عام 1563م (5) .

الحقيقة أنّ الجواب عن هذا السؤال بالنفي من أوضح وأسهل ما يكون، إذ إن أرسطو نفسه لا يعرف عنه القول بتطور الكائنات الحية كما زعم آفري، بل القول بثبات الأنواع مشتهرٌ عنه بما يغني عن التوثيق، حتى أن بعض الباحثين في تاريخ الفلسفة يرى أنّ أرسطو هو أصل القول بثبات الأنواع في الفكر الإنساني، وهذه وإن كانت مبالغةً لا دليل عليها، إلا أنها تكفي في بيان مخالفة آفري وشططه في نسبة أرسطو للقول بالتطور، وقد تبعه في هذه النسبة موقع aboutdarwin.com، فقد ذكر أنّ أرسطو"درس الحيوانات البحرية، ووضع أنموذجًا للتطور لا يعتمد على الجينات، ووضع نظامًا لتصنيف جميع الحيوانات" (6) ونعم أيضًا ... ! فقد درس أرسطو الحيوانات البحرية وغير البحرية، ولكن لا يصح أن أرسطو قد وضع نظريةً أو أنموذجًا للتطور، وليس ثمّ دليلٌ على ذلك، وإنما الذي قاله أرسطو هو اختلاف الحيوية في النباتات عن بعضها، وكذا اختلافها في النبات عن الحيوان، ولم يقل بقابلية الأنواع للتحول إلى غيرها، وما قال بما يشبه نظرية التطور في شيء، فهذه جهة قويةٌ في نفي نسبة ابن رشد الحفيد للقول بالتطور خلفًا لأرسطو، إذ إن أرسطو نفسه لم يقل بالتطور!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت