فهرس الكتاب

الصفحة 26637 من 28557

ومن جهةٍ أخرى فإنّ مثل ابن رشد الحفيد، عندما يقول بفكرة تطور الكائنات الحية عن أصلٍ واحد، فهذه زلةٌ لها الطبل، وسيرد عليه كثيرٌ من أهل العلم، كما رُدّ عليه فيما وقع فيه من ضلالات، ولكنّ ذلك ما اشتهر عنه وما عرف، وما ردّ عليه في ذلك ولا شنّع عليه، ولا دليل على أنّ كلامه أحدث"صدمةً للقارئ المسلم والنصراني"على السواء!

ومن جهةٍ ثالثةٍ فإن البينة على من ادعى، ومن ينسب ابن رشد الحفيد للقول بنظرية التطور لا يوثق كلامه، وهاهي كتبه ومؤلفاته لا نجد فيها أنموذجًا تطوريًّا، ولا ذكر عنه خصومه والمبطلين لأقواله هذا القول، ويلخص ذلك جيدًا قول د. زينب عفيفي في دراسة ابن رشد للكائنات الحية: (والواقع أن فهمه لتلك الكائنات كان قائمًا على إدراكه لغاياتها ونشوئها وتطورها، كما هو الحال عند أرسطو، فتطور هذه الكائنات لم يكن قائمًا على أسس مادية فقط، بل على أسس غائية، وإن كان ذلك لم يبعده في دراسته لتلك الكائنات عن منهج المشاهدة والملاحظة، والاستقصاء والتجربة، مع التزامه بالأصول والمبادئ والعلل، التي قرّرها من قبل واعتبرها مبادئ للموجودات، يقول يوسف كرم"إن الغائية تحكم تكيف الكائنات في البيئة، فكل كائنٍ في الطبيعة يحاول تحقيق كماله الممكن، والطبيعة تحقق هذا بدرجاتٍ متفاوتة، ولذلك نجده متابعًا لأرسطو، يبدأ بالمواد المعدنية في أسفل، ثم النبات، ثم يصعد أكثر وأكثر إلى الحيوان الكامل وأخيرًا إلى الإنسان، وكانت فكرة الثبات وعدم التغير في العالم تحكمه، ولذلك كان يؤكد أن الأنواع علاقات ثابتة أبدية للكمال أو عدم الكمال، وهذه الأنواع خالدة أبد الدهور، وهي توجد على الهيئة التي توجد عليها، وأن ما يطرأ عليها من تحولاتٍ كثيرةٍ فإنها لا تمس جوهرها") (7) .

فالقول بنسبة نظرية التطور لابن رشد أو غيره من أهل القبلة قبل دارون، من المجازفة التي لا دليل عليها، وهي تقوم على غلطٍ كبير، وخطأٍ في فهم قول المتكلم، وعدم معرفةٍ بالسياق الذي يتكلم فيه، فإن اجتمع إلى هذا الرغبة في البحث عن سلف، سيما السلف"التنويري!"ذي الوزن، الذي يغلب على الظنّ أنه لن ينهض لتحرير مذهبه أحد، وزيد على ذلك أنّ هذا"عملٌ صالحٌ"يسعى المرء من خلاله للتوفيق بين"العلم!"والدين، تبين ضرورة الحذر من قبول مثل هذه الدعاوى، وأهمية العودة إلى الأصول لتمحيصها ومعرفة حقيقتها!

وفي هذا المقام يكون من القصور ألّا ننظر في قول الدكتور عبد الصبور شاهين وفقه الله، إذ إنّ المتوقع أن يبحث الدكتور عن سلفٍ له فيما ذهب إليه من وجود"أوادم"قبل آدم عليه السلام، ويغلب على ظنّي أن الدكتور لو وقفَ على النصوص المنقولة أعلاه لاستدل بها على وجود سلفٍ له فيما قال، بدلًا من أن يقول:

(إذا كان علماء السلف قد اتفق جمهورهم على أن آدم هو أول الخليقة، وأول ما خلق من تراب، فإن بعضهم قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فتصوروا لهذه الخليقة وجودًا ممتدًا في أعماق الزمان قبل آدم، ربما إلى ملايين السنين، والمهم أن أحدًا ممن قال بهذا المذهب لم يلق نكيرًا من الفريق الآخر .. بل عاشت الآراء المتناقضة جنبًا إلى جنب، حتى تلقيناها ورأينا كيف أنار الله بصيرة الأقدمين فامتدت رؤيتهم إلى أعماق الغيب قبل التاريخ على هذه الأرض، وتنوعت رؤيتهم تبعًا لاختلاف التخيلات، وما نحسب أنهم اعتمدوا على شواهدَ مادية .. بل هي محض تخيلاتٍ هداهم إليها تأملهم المنطقي في أحوال الدنيا .."ذكر المسعودي في كتابه عن بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض قبل آدم ثمانيًا وعشرين أمةً على خِلق مختلفة، وهي أنواع: منها ذوات الأجنحة وكلامهم قرقعة، ومنها ما له أبدانٌ كالأسود ورؤوسٌ كالطير، ولهم شعورٌ وأذنابٌ وكلامهم دوي، ومنها ما له وجهان واحدٌ من قبله والآخر من خلفه، وأرجل كثيرة، ومنها يشبه نصف الإنسان بيدٍ ورجلٍ وكلامهم مثل صياح الغرانيق، ومنها ما وجهه كالآدمي وظهره كالسلحفاة وفي رأسه قرن وكلامهم مثل عوي الكلاب ومنها ما له شعرٌ أبيض وذنَبٌ كالبقر، ومنها ما له أنيابٌ بارزةٌ كالخناجر وآذانٌ طوال، ويقال: إن هذه الأمم تناكحت وتناسلت حتى صارت مائة وعشرين أمة""المستظرف / 398"هذه صورةٌ من تفكير الأقدمين وتخيلاتهم عن الماضي السحيق قبل هذه الخليقة، فقد لفقوا أشكالًا من المخلوقات

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت