ومما ينبغي تجليته ما كان عليه المسلمون الأوائل من اتخاذ الأوقاف والأحباس، وجعل رَيْعها وغَلَّتها لأهل الرباط والثغور، وسائر نفقات الجهاد في سبيل الله تعالى. ومن ذلك: أن مسلمي الأندلس اعتادوا أن يجعلوا نصيبًا من أحباسهم لتمويل مرافق الجهاد الحربي ضد النصارى [5] ، ومثال ذلك: أن أحدهم أوصى أن يُحْبَسَ على ثغر من ثغور الأندلس الفندقان اللذان له، تنفق غَلَّتهما هنالك ما دامت الدنيا [6] .
وأفتى علماء الأندلس - ومعهم علماء المغرب - يوسف ابن تاشفين بجواز طلب المعونة من الناس؛ لتغطية نفقات الجيش المرابطي المجاهد في الأندلس، حينما قصَّرت عن ذلك أموال الدولة [7] .
ومن طريف البذل والسخاء أن امرأة بذلت ضفائر شعرها في سبيل الله، وأرسلتها إلى الخليفة هارون الرشيد، ومعها كتاب فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعتُ تحريضك الناس على الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدتُ إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتاي فقطعتهما وصررتُهما في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غازٍ في سبيل الله، فلعلَّ الله العظيم أن ينظر إليَّ على تلك الحال نظرةً فيرحمني بها.
فبكى الرشيد وأبكى الناس، وأمر أن يُنادَى بالنفير، فغزا بنفسه، فأنكى فيهم، وفتح الله عليهم [8] .
ويقرِّر ابن تيمية عِظَم ملازمة الثغور فيقول:"إن السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم، وكانت الثغور معمورة بخيار المسلمين علمًا وعملًا، وأعظم البلاد إقامة بشعائر الإسلام؛ وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"... - إلى أن قال:"وأهل الشام ما زالوا مرابطين من أول الإسلام لمجاورتهم النصارى ومجاهدتهم لهم، فكانوا مرابطين مجاهدين لأهل الكتاب".
وقد جاء عن السلف آثار فيها ذكر الثغور مثل: (غزة) ، و (عسقلان) ، و (الإسكندرية) ، و (قزوين) ، ونحو ذلك» [9] .
كم هو جميل حقًا تلك المشاعر الإيمانية، والعواطف الوجدانية التي أظهرها أهل الإسلام نحو إخوانهم في غزَّة؛ فمع تكالب عوامل الإفساد والتغريب، والقمع والتلبيس لأمة الإسلام؛ إلاّ أنَّ هذه الأمة المحرومة بذلت جهد المقل تجاه أهل غزة، فينبغي تحريك هذه العاطفة الدينية، وتقوية مشاعر"الأخوة الإيمانية"، وتوظيفها في مواقف إيجابية وبرامج عملية، ومن ثم لا مسوِّغ للإيغال فيما يسمى بـ"ضبط النفس"؛ إذ الأمة تكابد أنواعًا من التخدير والتخذيل، فالإغراق في ذلك الضبط لا يعقبه إلا القضاء على بقية هذه العواطف الجيَّاشة وإخمادها، ولا يخلِّف إلا أكوامًا من الجمود والبرود.
وقد يلحظ المشتغلون بالعلم والدعوة ما لدى الشبيبة من عاطفة متدفقة، وإقدام وبذل، وتستحوذ على هؤلاء الدعاة والمربِّين وقائع معينة أورثتْ مفاسد وسلبيات؛ لأجل اندفاع الناشئة وشجاعتهم، فينهمكون في التزهيد من هذه العاطفة وتقليصها، والإفراط في التريُّث والحذر، فأعقب ذلك ضعف الغيرة، وغلبة البرود، واستيلاء الجُبْن!!
ويذكِّر هذا المسلك بما حكاه الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - عن المتصوفة حين قال:"إن الدجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربُّون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة. فإذا رأوا أنفة في مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفُّع؛ جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة والمحافظة عليها؛ حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه، وبذلك يكون مرشحًا لعبادة الله كما يجب!!، ولم يَدْر المغفلون أنهم يرشحونه أيضًا ليكون عبدًا للناس جميعًا، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين الذين يقيمون وجودهم على إذلال الشعوب وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها" [10] .
وأخيرًا:"لا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك" [11] .
[1] المنتظم لابن الجوزي، 13/ 331.
[2] في موكب الدعوة، ص 309.
[3] أخرجه مسلم رقم (1017) .
[4] صحيح مسلم بشرح النووي، 7/ 103.
[5] جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى، لمحمد أبا الخيل، ص 260.
[6] المرجع السابق، ص 261.
[7] المرجع السابق، ص 264.
[8] انظر: صفة الصفوة، 4/ 198، لابن الجوزي. ثم عقب ابن الجوزي قائلًا: «هذه امرأة حَسُن قصدها، وغلطت في فعلها؛ لأنها جهلت أن ما فعلتْ منهيٌّ عنه، فلينظر إلى قصدها» .
[9] مسألة في المرابطة بالثغور، ص 50، 51، 59؛ باختصار.
[10] تأملات في الدين والحياة، ص 173.
[11] مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/ 291.
منقول