فهرس الكتاب

الصفحة 23072 من 28557

وساق الشاطبي في موطن آخر أمثلة على البدعة الإضافية؛ فكان مما قاله: «ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة، أو في الركعة الواحدة؛ فإن التلاوة لم تُشْرَع على ذلك الوجه، ولا أن يَخُصَّ من القرآن شيئًا دون شيء، لا في صلاة، ولا في غيرها، فصار المخصِّص لها عاملًا برأيه في التعبد لله. وخرَّج ابن وضاح عن مصعب قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . لا يقرأ غيرها كما يقرؤها، فَكَرِهه، وقال: إنما أنتم متَّبعون؛ فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أُنْزل القرآن ليُقرأ ولا يُخصُّ شيء دون شيء.

وخرَّج أيضًا عن مالك - رحمه الله - أنه سئل عن قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرارًا في الركعة الواحدة، فَكَرِه ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا» [6] .

والمقصود أن في هذه المجرَّبات تقييدًا لما أطلق الشارع، والتزامَ هيئات وكيفيات لا دليل عليها؛ فأحوال هذه المجرَّبات أنها تتعلق بعبادات ثابتة من جهة أصلها: كتلاوة آيات القرآن أو الدعوات ... ونحوها، لكنها مُحْدَثة من جهة صفتها وهيئتها وعددها [7] ؛ ولا سيما أن جمهور السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - رضوان الله عليهم - لم يُنقَل عنهم تلك المجربات، ولو وَرَد عنهم ذلك لَنُقِل؛ فهذا مما تتوفر الدواعي لنقله؛ فكان هذا الترك الراتب عن جمهور الصحابة سُنةً وسبيلًا للمؤمنين.

وما جاء عن بعض تجارب السلف فهم آحاد، وُيردُّ ذلك إلى الميزان من نصوص الكتاب والسُّنة، وما عليه جمهور السلف الصالح، وخاصة أنهم قد يعوِّلون على ما عاينوه عن علماء جرَّبوا ذلك، والاستدلال بأفعال العلماء من أضعف الاحتجاج، وكان يقال: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه يَصْدُقك.

وأيضًا فإن هذه المجربات لم تَعُد شيئًا عارضًا، بل أضحت أمرًا راتبًا، وقواعد مشتهرة ومنتشرة، يتداولها طوائف من الناس على أنها مسلَّمات وقطعيات وعبر وسائل الإعلام المتنوعة.

وكثرة المُحْدَثات والتجاوزات توجب المزيد من الحزم والصرامة، كما فعل الفاروق - رضي الله عنه - في إنفاذ وقوع الطلاق بالثلاث جملة، فلَمَّا أكثر الناسُ مما نُهُوا عنه من إيقاع الطلاق بالثلاث جملة، رأى عمر الفاروق أن يعاقبهم بإنفاذ ذلك عليهم.

«ولا ريب أنه إذا كثر المحظور احتاج الناس فيه إلى زجر أكثر مما إذا كان قليلًا» [8] .

ويقال أيضًا: يتعذر الجزم بأن هذه المجرَّبات سبب مطرد في حصول المطلوب؛ فقولهم - مثلًا: من كان عقيمًا، فقال: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: 98] كذا وكذا مرة، يحصل مراده كما جُرِّب؛ ولا سيما أن السبب لا يستقل بنفسه في حصول المطلوب.

فلعل شدة افتقاره ولجأه إلى الله - تعالى - هو سبب الإجابة، وليس لأجل التزام هذه التجربة وعَدَدها، ولَمَّا احتج بعضهم بأثر لا يثبت: من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه [9] ، وقال سفيان بن عيينة: جرَّبناه منذ خمسين سنة، فما رأينا إلا خيرًا [10] .

تعقَّب ذلك ابن تيمية قائلًا: «لا حجة في قول سفيان ابن عيينة؛ فإن الله أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سببه كان التوسيع يوم عاشوراء» [11] . وقال في موطن آخر: «ومن هنا يغلط كثير من الناس؛ فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاءً، ووجدوا أثر تلك العبادة، وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلًا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سُنة، وهذا غلط ... خصوصًا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقًا» [12] .

كما أن حصول المطلوب، وقضاء الحاجات ها هنا لا يقتضي مشروعية هذه المجرَّبات بإطلاق؛ «فإن المشركين يُقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند الأصنام، والأماكن التي يعظمونها؛ فهل يقول مسلم: إن مثل ذلك سوَّغ لهم هذا الفعل المحرَّم بإجماع المسلمين [13] ؟

فلو كان المطلوب مباحًا وسائغًا، فإنه قد يفوِّت ما هو آكد وأهم، وقد بيَّن ذلك ابن تيمية بقوله: «ليس لكل سبب أثر يكون مشروعًا، بل الشارع ينهى عن أمور لها تأثير في طلب بعض المطالب، إذا كان ضررها راجحًا على نَفْعها، كما ينهى عن طلب السحر ونحو ذلك؛ وإن كان قد يمكن أن يُقتَل به كافر، ويُطَّلع بذلك على بعض أخبار أعداء الإسلام» [14] .

وقال أيضًا: «حصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته» [15] .

والمقصود: أن الإيغال في تلك المجربات، والانشغال بها يفضي إلى أن تكون هي المعيار والميزان، وليس لزوم السُّنة وتحرِّي حال السلف الصالح؛ فعلى الراقي والمسترقي أن يلزم ما عليه جمهور السلف، وأن يقف حيث وقفوا؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل - لو كان فيها - أحرى؛ فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنَّتهم.

(*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض.

[1] ?انظر: النبوات لابن تيمية: 2/ 1049 - 1053.

[2] ?انظر: الاعتصام للشاطبي: 1/ 181.

[3] ?انظر: عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر: 1/ 33 - 34.

[4] ?مجموع الفتاوى: 20/ 196 = باختصار.

[5] ?الاعتصام: 1/ 249.

[6] ?الاعتصام: 2/ 15.

[7] ?انظر: قواعد معرفة البدع لمحمد الجيزاني: ص 113 - 119.

[8] ?جامع المسائل لابن تيمية: 1/ 337.

[9] ?انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 622.

[10] ?انظر: لطائف المعارف لابن رجب: ص 52.

[11] ?مجموع الفتاوى: 25/ 313.

[12] ?اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 694.

[13] ?مجموع الفتاوى لابن تيمية: 27/ 172.

[14] ?الرد على البكري، (ت: السهلي) : ص 274.

[15] ?قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ص 184.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت