فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
النوع من القراءة استعادة للانطباعية والذوقية، إذ إن ذلك التصرف متعلق بالدلالة لا بالمشاعر، وإن كان (أمبرتو إيكو) يرى أن مصطلح (جمالية التلقي) امتداد لمصطلح (النص المفتوح) ومن ثم تختلط المشاعر بالتأويل وإشكالية القارئ شغلت (إيكو) ومن ثم حاول التفريق بين (التأويل) المعتمد على (السيميائيات) والتأويل المعتمد على مجرد التفكيك، وذلك في كتابه (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية) وهو لكي يؤكد على مركزية القارئ يدافع عن التأويل المضاعف في الفصل السادس من كتابه آنف الذكر.
ولكيلا نغمط العرب حقهم في قضية الاستقبال وأهمية القارئ نحيل إلى دراسة الدكتور محمد المبارك (استقبال النص عند العرب) وإلى أسباب اختلاف المفسرين، والقارئ العربي، وإن لم يعبأ بِسَكِّ المصطلحات، فإن له إرهاصات توحي بوعيه التام بحقه في التلقي والاستقبال والاستجابة والقراءة. وهي مصطلحات قد تؤدي معنى واحدًا وطغيان سلطة المتلقي تُقْبل في مجال الدراسات الأدبية، ولكنها ليست مقبولة على الإطلاق في مجال النصوص الشرعية، وإن كان هناك تميز بين القراء كما أشار الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (بلغوا عني ولو آية فَرُبَّ مُبُلغٍ أوعى من سامع) . وكذلك إشارته التمثيلية في تفاوت المتلقين في الحديث المتفق عليه: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً .. ) .
ولقد أشرت إلى تطاولات غير رشيدة وغير مهذبة مَسَّتْ قدسية النص القرآني اقترفها مُسْتَغْربون لا يُقَدِّرون الله حَقَّ قدره، نجد ذلك عند (محمد أركون) و (نصر حامد أبي زيد) و (علي حرب) وآخرين استدرجتهم مفاهيم الحق والحرية والأنسنة والتلبس اللغوي دون تفريق بين قيم النصوص من حيث القطعيات الدلالية واحتمالياتها.
ودعك من أصحاب الملل والنحل والأهواء الذين عطلوا النصوص بالتأويل الفاسد، ولك أن تراجع كتاب (الشيعة الاثنا عشرية ومنهجهم في تفسير القرآن الكريم) تأليف محمد إبراهيم العسَّال، ومخطوطة (كشف الاتجاه الرافضي في تفسير الطبرسي) للطالب (أحمد طاهر أويس) ومجمل تهافت القراءات المعاصرة كما هي عند (شحرور) وأضْرابه، ومدار ذلك كله يحال إلى سلطة القارئ.
ونحن إذ لا ننكر حق القارئ، وقيمة التأويل فإنما نراها في المنتج الإنساني لا في الوحي الرباني. ومثلما تركت سلطة النص من المعارف والمناهج والآليات تركت سلطة المتلقي، على أن النقد العربي القديم وسع المراكز الثلاثة ولم يكن في معزل عن شيء منها كما لم يكن لأحدهما مزيد حق على الآخر، فالذين يحتفون بالمنتج لا ينقمون على اللغويين والعروضيين ولا على القراء المستبدين، فأصحاب الطبقات إلى جانب اللغويين، و (المتنبي) يمر بشراح شعره في الطرقات فيقف مستمعًا حتى إذا قَوَّله الشارح ما لم يقل أطلق لفرسه عنانه وذهب لا يلوي على شيء، وقد يراجع الشارح على استحياء بل قد يحيل سائلين عن مشكل شعره إلى من يُقَوِّله ما لم يقل، أما النقد الحديث فقد تبدت التحولات الجذرية، فهو إما مع المنتج أو مع النص أو مع القارئ.
وكل ما أشرنا إليه لا يتعلق بما تعرضت له النصوص التوراتية في مرحلة التنوير من تأويل ألغى مدلولها ولم يلغها، وكان الهدف الأساس إلغاءها، ومن ثم ظهرت نظريات التأويل (الهرمنيوطيقا) . وذلك ما عرف بفهم الفهم مدخلٌ إلى نظرية التأويل .. والمركز إذ تنقل بين المنتج والنص والمتلقي فإنه قد تخطى ذلك إلى ما عرف (بالنقد الثقافي) .. ولكنه انتقال جزئي ولم يكن بحجم التنقلات السالفة كما لم يحصن بالوهج الذي صاحب ما سلف، وإن كان قد بدأ من فرنسا كما أشار (دليل الناقد الأدبي) وتنقل بين ألمانيا وأمريكا، وكانت بداياته غير الواعية على يد (طه حسين) . فيما كانت المحاولة الجادة على يد الدكتور عبدالله بن محمد الغذامي في كتابه (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) وقد اعتمد -كما يشير الدليل- على (فِنْسنت ليتش) الناقد الأمريكي، ولأن المحاولات العربية متواضعة فقد صرفنا النظر عن الحديث عن هذا التحول الجزئي.
تلك إلمامة عجلى نتمنى أن يبتدرها مقتدرون لتحرير مسائلها وتأصيل معارفها، فنحن أحوج ما نكون إلى مثل هذا الرصد التاريخي والمعرفي المحايد، ليكون المتابع على بيّنة من أمره.