ولكن الله - تعالى - شاء أن يرحم المسلمين وينقذهم من هذا الخطر الماحق لكيانهم ودينهم، فمهَّد لإيقاظ المسلمين وإعادتهم إلى السيادة العالمية، وإعادة مجدهم إليهم، وهو الغالب على أمرهم وأمر الخلق جميعًا، وهو الذي يدير في الحقيقة المعركة بحكمته وعلمه، فيسّر الأسباب التي أدّت إلى سقوط الشيوعية ممثلة بالاتحاد السوفييتي أكبر قوة وإمبراطورية تدعو إلى الإلحاد في التاريخ، ثم أعقب ذلك إسقاط الدعوات القومية والاشتراكية والثورية، التي منيت بالفشل الذريع والإخفاق الكامل، والتي كانت تحارب الإسلام ودعاته في أكثر بلاد الإسلام.
وأما الذين كانوا يروّجون للمعسكر الغربي الرأسمالي وللعلمانية، ويخدعون الناس بشعارات الحرية والديموقراطية فقد فضحهم الواقع البائس؛ لما تفعله دول هذا المعسكر في بلاد الإسلام، ولما يعانيه الناس كل يوم ولما يشاهدونه من الظلم والقهر والاستهتار بأرواح الناس، والاعتداء على مقدساتهم وكرامتهم، ومن سياسة الكيل بمكيالين بل بمكاييل متعددة، دون أن يرقبوا في المسلمين إلًا ولا ذمة، حتى ضجت من أفاعيلهم جماعات حقوق الإنسان نفسها التي كانوا يتاجرون بها ويفاخرون بأنهم أنشؤوها، وقد أزال هذا الواقع المرير الغشاوة عن عيون المخدوعين بالدعوات البراقة، التي كان يزينها أصحاب هذه الدعوات وأتباعهم، وكشف العمى عن قلوب المضلَّلين.
وقد أفسحت هذه الوقائع والمستجدات والتطورات لدعاة الإسلام المجال لإحداث اليقظة الإسلامية، وفرح المؤمنون بنصر الله وفرجه، فرأينا الناس تملأ المساجد، واللحى تُعفى، والحجاب بين النساء ينتشر، والكتب والأشرطة والمطويات الإسلامية تَذيع وتتداولها الأيدي، ويتحدث بها الناس.
ولكن هذه الفرحة والبهجة مع الأسف الشديد لم تطل؛ فقد كدّر صفوَها، وأفسد جمالها، وكاد يخيّب الآمال فيها تسلل دعوات باسم الإسلام، تحاول أن تركب الموجة، وتستغل الفرصة، وتقود السفينة لصالح دعوات منحرفة، وأفكار مضللة، لبعض الفرق الإسلامية التي خرجت عن منهج الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة؛ فهذه تدعو لإسلام شيعي، وتلك تدعو لإسلام صوفي، وثالثة تدعو لإسلام معتزلي، ورابعة تدعو لإسلام تكفيري خارجي، بل ظهر ما يمكن تسميته بعلمنة الإسلام، والإسلام الأمريكي، والإسلام الحداثي، وهكذا.
وأصبحنا ـ مع شديد الأسف والألم ـ نعيش في فوضى فكرية وعلمية بالغة، وأخذ أرباع المتعلمين وأنصافهم يفتون في الحلال والحرام، وتجرأ (الرويبضة) على الفتوى في الأمور الكبرى، والنوازل العظمى، التي لو عرضت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - لتريثوا فيها، ولجمعوا المهاجرين والأنصار للتشاور فيها قبل أن يقولوا فيها شيئًا.
وقد شارك كثير من أجهزة الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية مسموعة ومرئية في هذه الفوضى والبلبلة والعبث، فأخذت تلمّع التافهين، وتسوِّق للجاهلين، بعضها لأغراض خبيثة، وبعضها لأغراض تجارية ودعائية، وبعضها عن جهل وسذاجة، والله أعلم بالسرائر.
وتجاه هذا الواقع المؤلم، والخطر المحدق، يبرز دور العلماء والدعاة المخلصين في إنقاذ الصحوة الإسلامية المباركة من هذه الفوضى والأخطار، وإيصالها إلى بر الأمن والسلام، وقيادتها بحكمة وعلم وصدق وإخلاص، كي تحوز رضا الله الكريم الرحمان، وتنجو من مكائد الإنس والجان، وتقيم الحجة على المخالفين، وتثبت المؤمنين من الحاقدين والمعاندين والمنافقين.
وقد يقول قائل: وماذا عسى العلماء والدعاة أن يفعلوا وليس بأيديهم سلطة ولا قوة؟ وأقول: إنهم يستطيعون فعل الكثير، وبأيديهم قوة كبرى لا يمتلكها غيرهم حتى ولا ذو السلطان، تلك هي قوة الكلمة والحجة والعلم والبيان، وهل انتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا القرآن؟ وهو كلام، ولكنه أشرف كلام وأعظم كلام، وبأيدي العلماء هذا القرآن وكذلك السنة، وشروح العلماء لهما وبيانهم لأسرارهما وكنوزهما؛ فإذا فقهوهما، وحملوهما ونشروهما، ودعوا إليهما كما أمر الله - تعالى -، فكانوا أسرع الناس إلى العمل بهما والتخلق بأخلاقهما والتأدب بآدابهما، والالتزام بأحكامهما، فإنني واثق أن معظم الناس سيستجيبون لهم، ويسارعون إلى التمسك بأحكام الدين، وتعود إليهم ثقتهم بينهم، ومنهج سلفهم الصالح، وإذا فعلوا ذلك فليستبشروا بالنصر والتأييد، والتوفيق
(يُتْبَعُ)