فهرس الكتاب

الصفحة 26464 من 28557

والتسديد، والغلبة والتمكين بعون الله العزيز القدير.

نصائح ووصايا هامة:

وأقدِّم في هذه العجالة بعض الوصايا والنصائح لنفسي ولإخواني من أهل العلم والدعوة، قيامًا بواجب النصح والتذكير، و {الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] ، وعملًا بقوله - تعالى: {وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

1 ـ فأول ما يجب فعله في هذا الزمن وهذه الأحوال، أن يجتمع العلماء والدعاة، ويتلاقوا، ويتشاوروا، ليكونوا صورة واضحة متكاملة صادقة للواقع الاجتماعي والثقافي والديني والاقتصادي والسياسي الذي يمر بالمسلمين اليوم، ويتدارسوا أسبابه، بكل موضوعية وتجرّد وإخلاص، ثم يتباحثوا بوضع خطة مقترحة متدرجة للعلاج والإنقاذ، مسترشدين بكتاب الله وسنة رسوله، وهدي السلف وتجارب المسلمين وغيرهم، وإذا اختلفوا في بعض المسائل، فليأخذوا بما يراه أكثرهم؛ فإن أكثر الخاصة وأهل العلم هم أقرب إلى الصواب عادة من القلة، ولا يدَعوا للشيطان سبيلًا للتنازع والخصام، فما يختلف فيه أهل العلم فلا بد أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا يمكن أن يكون فيه نص قاطع، طبعًا هذا لدى أهل السنة والجماعة ممن تتوافر فيهم صفة العلم والإخلاص والتقوى، وظني بأهل العلم والدعوة أن يكونوا كذلك.

وليذكروا ما وصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحبيه الكريمين معاذًا وأبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - حينما أرسلهما إلى اليمن، للدعوة والتعليم، فقال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (1) .

وفي العمل بهذه الوصية النبوية الحكيمة العلاج الناجع والدواء الشافي لهذا الداء الوبيل، ولهذا الاختلاف والشقاق والنزاع والخصام الذي استشرى وعمّ وطمّ ـ مع الأسف ـ بين بعض أهل العلم؛ إذ كثيرًا ما ترى كراهة وجفاء بعضهم لبعض بسبب خلاف على رأي أو فهم، وقد يكون في مسألة صغيرة، من الخلاف المعتبر الذي كان يحصل مثله بل أكبر منه بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ومع ذلك فما كان يؤثر على محبة بعضهم لبعض ولا أخوّتهم ولا احترامهم.

2 ـ على العلماء والدعاة الحذر من أي تصرف فردي يقوم به أحدهم في المسائل الكبرى مما يؤثر سلبًا على سير الدعوة، ويؤثر على الجميع، وليذكروا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ضرب مثلًا رائعًا لوضع الجماعة بالراكبين في السفينة، فقال - صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فتأذوا به، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» (2) .

فهذا الحديث العظيم يبين خطر التصرفات الفردية الخرقاء على المجتمع، فيجب أن يلحظ العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية خطر التصرف الفردي غير المسؤول؛ فإن مصير الجميع واحد، وما يفعله الواحد سيؤثر على الجميع، فليتق الجميع الله ـ - عز وجل - ـ في دينهم وأمتهم وإخوانهم، وليتذكروا تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإعجاب بالرأي والشذوذ عن الجماعة ووصفه ذلك بأنه من المهلكات.

3 ـ التشمير عن ساعد الجد، والعمل النشيط الدؤوب لتنفيذ خطة العلاج المقترحة، وجعل ذلك محور اهتمامهم، وتخصيص جلّ وقتهم وطاقتهم لإنجاحها، والاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام في التضحية والبذل والعطاء، وليذكروا خطاب الله - تعالى - لنبيه الكريم يحيى - عليه السلام: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] ، وقوله لبني إسرائيل: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] .

وما لم يتوافر العزم والجد والبذل والنشاط فلن ينجح أي عمل؛ فكيف بهذا المشروع العظيم الذي هو أشرف مشروع، وأكثره أجرًا؛ وهو نصرة دين الله وإنهاض الأمة المسلمة؟ فما كان ليتحقق أبدًا ـ بحسب سنة الله في الحياة ـ على أيدي أناس كسالى بطّالين، همهم دنياهم وعاجلتهم، ولا يعطون دينهم إلا فُتات جودهم وفضلات أوقاتهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت