فهرس الكتاب

الصفحة 26465 من 28557

4 ـ أن ينشروا الدعوة إلى الوسطية والاعتدال، ويحذروا من الغلو، والتطرف؛ فالإسلام دين الوسطية كما قال ربنا ـ- تبارك وتعالى -ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] . وأهل السنة والجماعة هم الفرقة الوسط كذلك بين الفرق الإسلامية، والغلو هو السبب الأكبر في خروج جميع الفرق عن الفرقة الأم أهل السنة والجماعة. والغلوّ له طرفان متضادان في كل أمر؛ فالخوارج مثلًا في مسألة الإيمان غَلَوْا وتشددوا في نصوص الوعيد، فحكموا بالكفر على كل من ارتكب كبيرة، وفي مقابلهم المرجئة الذي تساهلوا في الإيمان وفي نصوص الوعد، فحكموا بالإيمان على كل من قال: لا إله إلا الله، ولو فعل ما فعل، وعدّوا الرجل الفاسق المقترف للكبائر والتارك للواجبات مؤمنًا كامل الإيمان، وإيمانه مثل إيمان أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وقل مثل ذلك في باقي الفِرَق؛ فكلها من الغلاة، والفرقة الوسط هي أهل السنة والجماعة وحدها.

وليذكِّروا الناس جميعًا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حذّّر أشد التحذير من الغلو، فقال: « ... إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» (1) .

5 ـ أن يسعوا لإعادة الثقة بالإسلام وعظمته، وصلاحيته لكل زمان ومكان في نفوس أبناء الإسلام، وليعرفوا فضله العظيم وقدره الكبير، وليعتزوا بالانتساب إليه، ويشكروا الله - تعالى - على النعمة العظمى التي حباهم بها حين يسَّر لهم وقدر أن يكونوا من أبناء هذا الدين. وتحصل هذه الثقة بمقارنة عقائد الإسلام وسهولتها وموافقتها للفطرة والعقل والعلم مع العقائد الأخرى، وكذلك تشريعاته وسبقها تشريعات الأمم الأخرى لتحقيق مصالح العباد بشكل متكامل متوازن دون التسبب في مفاسد واضطرابات واختلاطات وآثار مؤذية.

ويفيد في هذا السبيل بيان نواحي الإعجاز في القرآن، وخاصة الإعجاز العلمي في نصوص الكتاب والسنة، وبيان أن ذلك ليس له تفسير إلا بأنهما من عند الله - تعالى - العظيم الخبير، وهو مصداق لقوله - تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] . ولكن الحذر من الغلو في ذلك بادعاء الإعجاز في بعض النصوص بتكلف وتمحُّل ودون دلالة ظاهرة قوية، فتعود بأثر عكسي على الإسلام.

كما يفيد في تقوية إيمان الناس بربهم - سبحانه - وبعظيم قدرته، وبديع صنعه، وبالغ حكمته: الاهتمام بتوحيد الربوبية، وتوحيد الصفات؛ لكن دون إهمال لتوحيد الألوهية، وضرب الأمثلة الكثيرة من أسرار حياة مخلوقاته المختلفة، والتدليل بها على كمالاته - سبحانه -. وكذلك مما يفيد كثيرًا في تحبيب الناس ببارئهم - جل وعلا - وإشعارهم بفضله وإحسانه، بيانُ أصناف نعمه الكثيرة الجليلة على عباده التي لا تُعدّ ولا تحصى، وبيان صفاته العُلا، وشرح أسمائه الحسنى، وخاصة رحمته الواسعة ورأفته بعباده، وستره المذنبين، وعفوه عن المخطئين، ورزقه العاصين، وإجابته دعاء الداعين، وفرحه بتوبة التائبين؛ فهذا جدير كله بأن يرسخ إيمان المؤمنين، ويعيد ما فقد أو ضعف من ثقتهم بربهم وبدينهم، وشريعتهم، ويدفعهم لاستشعار حبه وعظمته، وفضله وإجلاله، ويقوي مراقبته، ويدفع لطاعته والتزام أحكامه.

6 ـ وعلى العلماء والدعاة أن يعملوا على تجديد الخطاب الديني الذي كانوا يوجهونه للناس، ويراعوا ما جدَّ في حياتهم وواقعهم من التيارات الفكرية والعلاقات والأخلاق والعادات في العالم اليوم، وهذا ما وصّى به سلفنا الصالح؛ فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (2) ، وبهذا يقول الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّبَ الله ورسوله؟» (3) ، وفي رواية: «ودَعُوا ما ينكرون» . فقد صار العالم ـ اليوم ـ كما يقال شبه قرية صغيرة، واتصل بعضه ببعض، واختلطت الثقافات والعادات والأفكار، وحدث انفجار هائل في المعلومات، فكُشفت الأسرار، واشتد الصراع الفكري، وألقيت الشبهات، وكثرت المناظرات، وأحدث هذا كله هزة عنيفة وفوضى في الأفكار. فعلينا مجابهة هذه المستجدات كلها بنشر العلم الصحيح والوعي الرشيد في الأمة،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت