وتزويدها بالحجج الدافعة، والبراهين الساطعة والحِكَم البالغة، التي تحمي عقيدتها من الشكوك والشبهات. وغالب من ضل وتأثر بالفرق المنحرفة إنما كان ذلك لنقص العلم وفراغ القلب، كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
ثم لم يعد الحصول على المعلومات هو المشكلة؛ فقد بُذِلت للجميع بأيسر سبيل، ولكن المشكلة هي تعليم الناس المنهج العلمي لمعرفة الحقائق، وتعريفهم بطرائق الاستدلال التي بواسطتها يستطيعون تمييز الحق من الباطل، وكشف الزيف والمغالطات والخلل في الكلام؛ فما أكثر ما يستدل الشانئون للإسلام وأهله بما ليس له وزن في ميزان الحقيقة؛ فقد يستدلون بآية كريمة؛ وتكون لدى التأمل والدراسة لا تدل على المعنى الذي يريدون، وقد يستدلون بحديث نبوي، وعند البحث والفحص، يتبين أنه مكذوب أو ضعيف أو ليس له أصل، وربما يستدلون برؤيا منام، أو بعادة متبعة، أو رأي شاذ اشتهر وليس له مستند، وقد يدَّعون الإجماع، ويكون هذا الادعاء باطلًا، وقد يستعملون القياس، وما أكثر ما يكون القياس فاسدًا ... ؛ فالدليل الصحيح في الأمور الشرعية إنما هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس غير، على أن يُفهَما على ضوء فهم السلف الصالح دون غيرهم.
كما أن على العلماء والدعاة أن يعلِّموا الناس أصول الدين وطريقة التفكير السديد، ولا يهتموا بالتلقين والتقليد، وعليهم أن يُرفقوا المعلومات بأدلتها، عملًا بقوله - تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .
وعليهم أيضًا أن يوجهوا الناس إذا أشكل عليهم أمر، أو لم يجدوا لشبهة جوابًا أن يسألوا أهل العلم عملًا بقوله - سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] ، وعليهم كذلك أن يحذروا مَنْ ليس أهلًا للمناقشة والمناظرة ألا يشارك فيها حتى لا يستغل الخصوم ضعفه وإخفاقه في نشر باطلهم؛ فالمناظرات فهم وعلم لا يصلح له إلا القليل، وعلى المناظر أن يهتم بالأمور المهمة، وأن يكون يقظًا فلا يُستدرَج للخوض في الجزئيات قبل الاتفاق على الكليات، ولا يدع الخصم يفرّ من الهزيمة باستطراد أو حيدة أو أساليب ماكرة، بل عليه إعادته للموضوع كلما حاول الابتعاد عنه، كما أن عليه في البدء تحديد نقطة الخلاف حتى تكون واضحة للجميع، وهكذا.
7 ـ وعلى العلماء والدعاة أن ينفتحوا للناس وخاصة الشباب، ويشجعوهم على البوح بما في أنفسهم، والإفضاء بكل ما لديهم، ويتلطفوا معهم، ولا يثوروا ولا يتأففوا مهما سمعوا منهم من آراء شاذة، وأفكار باطلة، بل عليهم أن يعالجوا الأمر بالحكمة والحسنى، وأن يذكروا ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سعة الصدر والأسلوب الحسن في مثل هذه المواقف؛ فكلنا يذكر موقفه - صلى الله عليه وسلم - مع الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وموقفه من الشاب الذي جاءه وقال له: يا رسول الله! ائذن لي في الزنا ... ، فموقفه مع معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة، وغيرهم كثير، فلنا فيه - صلى الله عليه وسلم - قدوة حسنة، وهدي رشيد.
ولعل الكثير ممن انحرفوا إلى جماعات التكفير والتفجير، وأجرموا وأفسدوا في الأرض هم في نفوسهم مخلصون متحمسون لدينهم، ولكنهم فقدوا المرشد الرفيق، والهادي الأمين، فتلقفهم أحد عناصر الضلال، وخدعهم بأساليب ماكرة، وزين لهم القبيح، وأثار فيهم العواطف الجياشة تجاه ما يجري للمسلمين في كل مكان من الحرب والتسلط والمؤامرات وكيد الأعداء، وصور لهم أن طريق الخلاص إنما هو بالجهاد، وأن الخروج على الحكام هو جهاد يوصل إلى الجنان، واستغل سذاجتهم وبساطتهم وعدم تمكنهم من العلم الشرعي الصحيح، ومن تقدير الواقع الراهن والمصالح والمفاسد، فساقهم إلى هذه الجرائم والمنكرات.
8 ـ وعلى العلماء والدعاة أن يلتزموا بما أمر الله ـ - عز وجل - ـ به من العدل والإنصاف مع المخالف، كما قال الله - عز وجل - في وصيته للمؤمنين: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] ، وقوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، فعليهم أن يقروا بما لدى الفرق الضالة من الصواب، ويبينوا ما لديهم من الخطأ، ولا يظلموهم أو يفتروا عليهم، أو ينسبوا إليهم ما ليس بصحيح، كما أن عليهم التثبت في الأخبار وعدم التعجل في الأحكام، وسيكسبهم هذا ثقة الناس، فيرجعون إليهم ويسترشدون بآرائهم، وبمثل هذا كان للعلماء الربانيين المنزلة الرفيعة لدى الأمة، ولأقوالهم الوزن والثقة والاتِّباع، وهذه الصفة مما اختص به أهل السنة وحدهم دون غيرهم من أهل الأهواء والبدع. قال الإمام وكيع بن الجراح - رحمه الله: (أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء فلا يذكرون إلا ما لهم) ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كلام طويل جميل نحو ذلك.
9 ـ وأخيرًا على العلماء والدعاة أن يكونوا قدوة حسنة للناس في سلوكهم وفي عبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، فيرى الناس فيهم هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح، من التقوى والتواضع واللطف والرفق والإحسان، والعدل والإنصاف، ويسمعوا منهم الرأي السديد، والتوجيه الرشيد، الممتلئ بالمحبة والإشفاق والرحمة، فينصحون ولا يفضحون، ويشهدون بالحق، ويحكمون بالعدل، وينقدون النقد البنّاء، ويحذِّرون تحذير الوامق (1) المشفق لا الشامت الشانئ، ولا العدو الكاشح، ويكونون أرحم الناس بالخلْق وأعرفهم بالحق؛ وعند ذلك سيكونون قادة الأمة الحقيقيين الذين يُسْمَع كلامهم، ويحترمهم الجميع حتى الحكام، فيقدّرونهم ويشاورونهم ويأخذون بنصائحهم.
هذا؛ والبحث واسع وذو شجون، ولكن فيما ذُكر غُنية عما لم يُذكر، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصلى الله وسلم على محمد وآله.
كتبه /محمد عيد العباسي
(يُتْبَعُ)