والوسطية: هي الرّاجح دليلًا من الكتاب والسنة، والضعيفُ والشاذّ ليس من الوسطية في شيء، ولو صلح لتطبيقٍ محدودٍ على سبيل الترخُّصِ في حالاتٍ بعينِها دون تعميم
الوسطية: هي عدم إلغاء الخلاف الاجتهادي السائغ، وأعني بالسائغ: ما اختلف به فطاحلُ العلماء قديمًا وحديثًا.
الوسطية: ليست اتهام المخالف بالتطرُّف والتشدُّد؛ لمجرّد أنه يخالفُ ما أراه.
الوسطية: هي يُسر الإسلام، وليس اليُسرُ معناه: أسهل الأقوال وأخفّها، بل أرجحها وأقواها، بل وأحوطها وأتقاها؛ لأن الخروج من الخلاف واتقاء الشبهات من هديِ حبيبنا صلى الله عليه وسلم.
الوسطية: لا تعني تلميعَ ديننا في عيون غير المسلمين، بل الاعتزازَ به، والافتخارَ بأحكامه، رضيَ من رضيَ وسخِط من سخِط.
الوسطية في التفكير والاجتهاد: هي تحرّي مرضاة الله، وموافقة مقاصد شريعته، والتمسُّك بما هو الأرجح دليلًا مرادُهُ في نصوص الوحيَين.
الوسطية: هي التعامل مع التراث تعاملَ تقديمٍ لا تقديس، والتمييز بين ما قُرِّرَ من الأحكام متأثِّرًا بظروفٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ خاصّة، وبين ما قُرِّرَ دون ذلك التأثُّر عاريًا عن التخصيص بزمانٍ أو مكانٍ، وعدم الخلط عمدًا أو سهوًا بين هذين النوعين.
فنسيان الأول يعني قولبة الأمة في قوالب الجمود والتحجُّر وتأليه الرجال، وعصمة غير المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وتناسي الثاني تمييع للدين، وحلٌّ لمفاصلِ الشرع، ومقاطع الأحكام الراسخة، وخروجٌ ـ عاجلًا أو آجلًا ـ مما قد يظنُّ الظانُّ أنه لن يمسَّ به من المسلّمات؛ لأن من مشى الدربَ وصلَ به إلى غايته.
الوسطية: هي الواقعية التي تفرضُ عدم إيقاع الناس في عنتٍ ناتجٍ عن إسقاطِ واقعٍ مجلوبٍ من مكانٍ أو زمانٍ آخَرَين، ومن لم يكن عالمًا بأهل زمانه فهو جاهل.
وجهله ليس لأنه لا يحفظُ النصوص، بل لأنه لا يعرف كيف الاستنباطُ منها لتصنيع أدوية الأمراضِ الناشئة المتجدّدة المتغيّرة.
واستخدام علاجٍ مجرَّبٍ نجعَ مع مرضٍ ما لا يعني بالضرورة أنه ناجعٌ مع مرضٍ ثانٍ، بل هو بالضرورة مسبّبٌ لتفاقم المرض الجديد لسببين:
-حجب المصل المضادّ عن البدن العليل.
-وإفساد هذا البدن بما لا ينفعه ـ بل بما يضرّهُ ـ من العقاقير!
الوسطية: هي نشوءُ أجيالٍ من رجالٍ يسيرون على درب الرجال الأوائل، يُتمّون ما بدؤوا، ويكملون ما به شرعوا، دون أن يتخذوا من أنفسهم عبيدًا للسابقين، ولا أن يتعاظموا في أعيُن أنفسهم حتى لا يرَوا من سبَقَهم من السالفين.
ربِّ ما كان في قولي صوابًا فمنك اللهمّ وحدك، وما كان خطأً فمني وأنت ورسولُك منه بريئان.
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه
والحمد لله رب العالمين
والحديث في الصحيحين: «صحيح البخاري» برقم (3339) ، وغيره بنحوه.