فهرس الكتاب

الصفحة 2629 من 28557

فلا بد إذن من هذه البصيرة المقتضية لأن يعرف الإنسان برهانه في كل ما يأخذ به، وأن تكون له حجة من الله سبحانه وتعالى في كل ما يعمل، ومن كان على ذلك فهو على نور من ربه إذا وقف فعن علم يقف، وإذا تقدم فعن علم يتقدم، ومن كان هكذا لم يشك في أمر من الأمور ولم يلتبس عليه شيء من المشتبهات، ثم بعد هذا كذالك لا بد من ضابط آخر آكد من سابقه، ألا وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى وقصد وجهه الكريم بالأمر كله، فكل خطاب يقدم الإنسان على طريق الدعوة لا بد أن يكون مخلصا فيه لله تعالى، وإلا كان ضره أكثر من نفعه، لا بد أن يكون الإنسان مخلصا في كل كلمة تصدر منه وكل تصرف يصدر منه، وإلا فإن عدم الإخلاص مضر ضررا بالغا بمقدم الخطاب وبسامعه، لذلك لا بد من مراجعة الإخلاص في كل قول يقوله الإنسان وأن يعلم أن الكلمة التي يقولها أمانة عنده، وأنها ستعرض عليه بين يدي الله في طائره يحمله في عنقه، وستشهد عليه جوارحه بما قال ويشهد عليه الملائكة الكرام المزكَّون عند الله تعالى بما لفظ، ثم بعد هذا لا بد من ضابط آخر وهو ضابط التوسط والاعتدال في الأمر، فإن النبي r حذر من الشطط وحذر كذلك من الإفراط ومن التفريط، فلا بد أن يكون هذا الخطاب وسطا بين الإفراط والتفريط، فالإفراط مقتض من الإنسان أن يبالغ في الأمر مبالغة تخرج به عن نطاق الشرع، وحينئذ لا بد أن يدخله الهوى، والهوى ضد الشرع، والمتمسك به عابد لشريك لله هو الهوى، فالهوى شريك من الشركاء التي تعبد من دون الله عز وجل والذي يتشبث بهواه ويقدمه على خطاب الله مذموم في القرآن بغاية الذم فإنه قد اتخذ إلهه هواه، وتعرفون أن ذلك مبين في سورة النازعات أنه سبب لدخول النار، وأن مخالفة الهوى ونهي النفس عن الهوى سبب لدخول الجنة، ثم بعد هذا لا بد أن يدرك الإنسان معنى هذا التوسط، وأن الإفراط المنهي عنه ليس التجاوز لما كان عليه الناس وليس التجاوز للطور الذي كان فيه الإنسان نفسه بل المقصود بالنهي عن الإفراط تجاوز المنهج النبوي، فإذا كنا نحن في طور من أطوار ضعفنا أو في طور الطلب والازدياد من العلم أو في طور الاستضعاف في الوسائل فأخذنا بما لدينا وبما نستطيع ثم تجددت نعمة من عند الله سبحانه وتعالى اقتضت زيادة في الأداء والعطاء فليس إعمال تلك النعمة بإفراط ولا غلو ولا مجاوزة، ومثل ذلك في المقابل نهى عن التفريط الذي هو تقصير وهو ركون إلى الراحة وإخلاد إلى الأرض، وهذا التفريط مقتض من الإنسان لترك بعض ما جاء به رسول الله r ورده على الله سبحانه وتعالى، فيكون متخيرا، فما وافق هواه ووافق وقته أخذ به، وما خالفه تركه، وأنتم تعرفون أن فاعل ذلك غير مخلص لله سبحانه وتعالى، بل يأخذ ما يريد ويرد ما يريد، وقد بين الله أن هذا من شأن المنافقين، ?وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون? فلا بد من الاستسلام لأمر الله كله، وإلا فما الفرق بين المسلمين واليهود، إذا كان المسلم يأخذ ما يوافقه ويترك ما يخالفه، أليس اليهود يقولون ذلك؟ يقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، أليسوا يقولون للنبي r وللمؤمنين معه نطيعكم وجه النهار ونخالفكم بقيته، فإذن لا بد أن يستسلم المسلم لأمر الله كله، وأن يأخذ بالمنهج كله، وقد شرط الله ذلك في الإيمان إذ قال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، كذلك فإن هذا المنهج الوسطي مفيد في هذا الخطاب الدعوي في أمور أخرى، منها توصيله لما لا يستطيع الإنسان الوصول إليه بذاته وطاقاته ووسائله المحدودة، فالإنسان إذا أخذ بهذا المنهج المعتدل الوسطي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط فإن الحوادث لا تستفزه، فإذا جاء الترغيب والترهيب لم يكن لهما أي تأثير عليه، وإذا جاءت السراء والنعمة لم تطغه، وإذا جاءت الضراء والمحنة كذلك لم تذله، ولم ترده عما أخذ به، ثم بعد هذا لا بد من الأخذ بهذا الضابط فيما يتعلق بالتعامل مع الناس، فالناس قلما تجتمع قلوبهم على الأمر وقد قال فيهم رسول الله r « الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» فلو أن الإنسان مال مع بعضهم على حساب بعض فإن ذلك سيؤدي من

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت