فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النمل:70) .
والله -سبحانه- ما أنزل القرآن على نبيه ليشقى ولا ليشقى من اتبعه وآمن به، بل ليسعدوا في الدنيا والآخرة، فلذا كان الحزن والضيق منافيًا لهذه السعادة، فلابد وأن يزول، وإن وقع في القلب ابتداء بمقتضى الطبيعة الإنسانية ولحكم جليلة عظيمة ومنافع جمة للمؤمن؛ منها:
أن هذا الضيق يدفعه للعبادة امتثالًا لأمر الله بالتسبيح، والحمد، والصلاة، والعبادة حتى الممات؛ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، فيفتح الله بهذا الضيق أبوابًا من الخير والراحة والطمأنينة التي تحصل بذكر الله وعبادته ما لم يكن ممكنًا أن يحصل له بدون هذا الضيق أولًا.
ومنها: أنه إذا استشعر غربته ووحدته في الطريق، وقلة من استجاب للحق، وكثرة من أعرض عنه، ولم يجد من يؤنسه في وحشته؛ استحضر معية الله -سبحانه-، وطلب أسبابها (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ، فيتقي المحارم، ويحسن في عبادة ربه؛ فيعبد الله كأنه يراه، كما يحسن إلى الناس في معاملته لهم: (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) رواه الترمذي، وحسنه الألباني، فيعاملهم بالعفو والصفح، وعدم الانتقام للنفس، وهذا مرده إلى حصول الغنى بالله -عز وجل-، وهو لا يحصل إلا بالتفرغ لعبادته، فإذا استغني بالله صغرت الدنيا في عينه فلا يراها إلا كما هي عند الله لا تساوي جناح بعوضة، فعلامَ يحزن على ما يفوته منها؟! وعلامَ يخاصم الناس فيها ولو كان ما يخاصمونه حقًّا له، كرجل غني جدًّا -مليونير باصطلاح المعاصرين- لو وقع منه شيء تافه -ربع جنيه مثلًا- فتصارع الناس عليه؛ أكان يدخل في صراع معهم أم يستحي أن يقول لهم: هذا حقي؟
قطعًا سوف يتركه لهم، ولو كان حقًّا له، وهو يبتسم من نهمهم وشرههم على هذا الشيء الحقير التافه، فكيف إذا كان هذا الشيء أدنى من ذلك -جزء من جزء من جناح بعوضة- وهي لم تحصل لإنسان قط مجتمعة، بل نصيبه منها كذرة صغيرة على قدر عمره ورزقه، فأنَّى يضيق المؤمن بذهاب شيء منها؟!
ولذا كان الإحسان مع الله في عبادته ومع الناس في معاملتهم من أعظم أسباب شرح الصدر وذهاب الضيق والهم والحزن؛ لأنه يجعل العبد مع الله فيرتفع بروحه وقلبه عن الدنيا فيراها حقيرة صغيرة، ولا يحصل له الإحسان في عبادة الله إلا بترك المحارم وأداء الفرائض؛ ولذا بدأ -عز وجل- في الآية الكريمة بالتقوى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ، فبالتقوى تصل إلى الإحسان، وبترك المعاصي تُوفَّق للقيام بالليل، وبالتوبة من الذنوب التي هي سبب البلايا والمحن تُوفق للذكر والعبادة مع شرح الصدر، (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح) .
فإذا كانت أوزار النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وهي من باب النسيان وترك الأولى، أو الخطأ في الاجتهاد تنتقض ظهره؛ فكيف بذنوبنا؟! وقد قال -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30) ، فكان شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر مقدمة لحصول اليسر، ومع العسر دائمًا يسران وبعده يسر آخر: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق:7) .
والسبيل إلى ذلك التفرغ للعبادة، وتعظيم الرغبة إليه -سبحانه وتعالى-، فالنظر في عواقب الأمور ومآلاتها وما يعلمه المؤمن من قرب نصر الله -تعالى- وفرجه يذهب الضيق من مكر الماكرين؛ فهو يعلم أن مكرهم قد أحاط الله به علمًا، وهو من ورائهم محيط، والدين دينه وهو ناصره ومظهره وهو القوي العزيز، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكفى به هاديًا ونصيرًا، فأنى يبقى الضيق بعد هذا؟!
والمعية المذكورة في الآية هي معية خاصة للمؤمنين كما ذكر ابن كثير -رحمه الله-، وهي معية نصرة وتأييد وحفظ، واستحضارها مذهب للحزن والضيق؛ قال -تعالى- عن نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:40) .
فتأمل كيف بدأ الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) ، (وَجَادِلْهُمْ) ، (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) ، ثم ختمت الآية بصيغة الجمع: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ؛ إيذانًا بأن معية الله ليست للنبي -صلى الله عليه وسلم- وحده، بل له منها أعظم نصيب، ثمَّ هي حاصلة لكل متقٍ محسن بقدر تقواه وإحسانه، وبقدر عبادته لله ورغبته فيما عنده، وزهده في الدنيا، وتسامحه وعفوه، وتسبيحه لربه وحمده وذكره، وسجوده وعبادته، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين المحسنين.
موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)