فهرس الكتاب

الصفحة 19909 من 28557

إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد، ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب.

إنه الإيمان والثقة والاطمئنان، الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره ... الإيمان الذي يخالط القلب، فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لايشك فيها لحظة؛ لأنها ملء يديه، وملء قلبه الذي بين جنبيه، وليست وعدًا للمستقبل في ضمير الغيب، إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] .

إني أشهد الله على براءتي مما تشركون من دونه، واشهدوا أنتم شهادة تبرئني وتكون حجة عليكم: إنني عالنتكم بالبراءة مما تشركون من دون الله، ثم تجمَّعوا أنتم وهذه الآلهة التي تزعمون أن أحدها مسّني بسوء، تجمعوا أنتم وهي ـ جميعًا ـ ثم كيدوني بلا ريث ولا تمهل، فما أباليكم جميعًا، ولا أخشاكم شيئًا {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود: 56] .

ومهما أنكرتم وكذبتم، فهذه الحقيقة قائمة، حقيقة ربوبية الله لي ولكم، فالله الواحد هو ربي وربكم، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] .

وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض، بما فيها الدواب من الناس، والناصية أعلى الجبهة، فهو القهر والغلبة والهيمنة، في صورة حسية تناسب الموقف وتناسب غلظة القوم وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم ... وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] ، فهي القوة والاستقامة والتصميم) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/ 240) ] .

وبعد هذه النقولات لنستمع إلى ما يقوله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن أثر العبودية الخالصة والتوكل الصادق في طرد الخوف والهلع وجلب الشجاعة والثبات والإقدام، فيقول رحمه الله تعالى:(ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك، فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك، وإنما امتحن يقينك وصبرك، وأعظم الأعوان لك على هذا بعد عون الله التجرد من الطمع والفزع.

فمتى تجردت منها هان عليك التحيز إلى الله ورسوله، وكنت دائمًا في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام بك الطمع والفزع فلا تطمع في هذا الأمر، ولا تحدث نفسك به، فإن قلت: فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع؟ قلت: بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء) [الفوائد، ابن القيم، ص (116) ] .

أما عن أثر العبادة والاستعانة في الثبات والسكينة وتحمل الشدائد ورد كيد الأعداء وشرورهم، فهذا أمر قد تكفل الله سبحانه به لمن صحت عبادته وصدق توكله وفوض أمره إلى مولاه سبحانه.

ولما كانت العبادة لا تقوم ولا تقبل إلا بالإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول لله، فإنه يمكننا القول بأن الثبات والطمأنينة وقوة العزيمة وإبطال كيد الكائدين لابد له من أمور ثلاثة:

1 -إخلاص الأمر لله عز وجل.

2 -أن يكون العمل حقًّا مشروعًا متبعًا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.

3 -الاستعانة بالله عز وجل في ذلك والتوكل عليه والتبرؤ من الحول والقوة، والخلوص من العجب والكبر، والحذر من الاغترار بالنفس والأتباع.

وبالتأمل في الأمر الأول والثاني نجدهما يمثلان حقيقة العبودية لله سبحانه، بينما الأمر الثالث يمثل الاستعانة بالله عز وجل، فآل الأمر إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وعن هذا الأثر العظيم للعبادة والاستعانة يحدثنا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فيقول: (إذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولًا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السموات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجًا ومخرجًا، وإنما يُؤتى العبدُ من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد، فمن كان قيامه في باطل لم يُنصر، وإن نُصر نصرًا عارضًا فلا عاقبة له وهو مذموم

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت