طرقه، وسلامة رجاله من التهمة، إلى اجتماع كل السلف على تصديقه، وأخيرا تلقي الأمة له بالقبول، ومن المعلوم أنه إذا انعقد إجماعٌ على أمرٍ في القرون المفضلة، فإنه لا يحل أن يُضرب ويُرد بمخالفة أحد من المتأخرين، والله المستعان من مخالفة سبيل المؤمنين، من السلف الطيبين، ونسبتهم إلى الخُرافة والغلو الأثيم، وهذه هي أدلتهم على القعود:
الدليل الأول: وفيه أن جميع الأنبياء يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقوم لوحده من دونهم هناك فوق العرش لأجل الشفاعة إظهارا لفضله وعلو منزلته، فخرج البخاري 6975 عن أنسأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يحمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس .. ، اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناك، [لست بصاحب ذاك] ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم ويذكر لهم خطاياه التي أصابها ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما فيأتون موسى فيقول: لست هناكم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونني [زاد أحمد: فيقولون: يا محمد اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي [في داره] [فيؤذن لي عليه، [زاد أحمد: فآتى ربي عز وجل على كرسيه أو سريره] ، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ..."، ووجه الإستدلال منَ الحديث منْ وجهين:
أولاهما في قول الأنبياء"لست هناك"،و"لست هناكم"، وهذه اللفظة ظرف مكان كما هو معروف، إشارة إلى مكان آخرَ مخصوصٌ بالنبي عليه السلام وحده، والمعنى: لست في ذاك المكان الذي تظنونني فيه، ولست له أهلا"، ولا يكون ذلك إلا في مكانٍ حسي وهو القيام على العرش كما قال ابن حجر، وبينته الأحاديث التالية، فإن قال قائل: قد ذكر بعضهم أن هذا من باب استعمال ظرف المكان في الزمان، لأن"هنا"، ظرف مكان، فاستُعمِلت في ظرف الزمان، لأن المعنى: لست في ذلك المقام، لكن تعقبهم ابن حجر في الفتح (11/ 441) فقال:"كذا قاله بعض الأئمة وفيه نظر، وإنما هو ظرف مكان على بابه، لكنه المعنوي لا الحسي"، ثم قال:"مع أنه يمكن حمله على الحسي لما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم يباشر السؤال بعد أن يستأذن في دخول الجنة، وعلى قول من يفسر المقام المحمود بالقعود على العرش يتحقق ذلك أيضا"،"
أما الوجه الثاني: فحتى لو أُوِّلَت: هناكم"بالزمان، لكان معنى الحديث: لا يوجد في ذلك المقام أحد الآن، ولكن ائتوا محمدا، فإنه وحده الذي سيكون على ذلك المقام ووحده الذي سيقعد تلك القعدة، وقد بينت الروايات الأخرى أنهم يأتوه فيقول: أنا لها ثم ينطلق إلى ربه في داره، فيجده على كرسيه، وبينت رواياتٌ أخرى كثيرة أنه إذا أتاه وشفع، رفعه ربه إليه وأجلسه معه على كرسيه مِن على يمين العرش، والأحاديث يُكَمِّل ويُبين بعضها بعضا ويفسره، لا يُنقضُه، كما في:"
الدليل الثاني: حديث مجاهد رحمه الله: وقد ذكر الإمام أحمد أنه وإن كان المرسل ضعيفا، فإن مرسل مجاهد هذا صحيح لتلقي العلماء له بالقبول ولإجماع السلف عليه كما سيأتي، وقد رواه عنه كلّ من ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب وأبو يحيى القتات وجابر بن يزيد كلهم عن مجاهد به، وأشهر طرقه وأصحها طريق محمد بن فضيل عن ليث به:
فقال الخلال: حدثنا أبو بكر قال لي أبو عبد الله محمد بن بشر بن شريك: هذا عن مجاهد وحده! هذا عن ابن عباس, وقد رواه شريك عن عطاء بن السائب عن مجاهد, وقد خرجت في هذا أحاديث وقال لي: أنا أكتبها لك, فكتبها بخطه, ثم جاءني إلى طاق المحامل فدخل علي وأعطانيها فقلت له اقرأها علي فقال لا يقنعك إن كتبتها لك بخطي فقلت لا أنا أريد أن تقرأها علي فقرأها علي:
(يُتْبَعُ)