فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(ص22) .
فصلٌ: مناقشةُ مذهب ابن تيميَّة في الحقيقةِ والمَجاز:
لأنَّ الكلامَ يطولُ في هذا الباب، ولأنَّ البعض قد يضيعُ في أثناء المناقشةِ، فيُنشئُ كلامًا عنَّا لم نقلهُ، أو يتأوَّلُ مِن كلامِ ابن تيمية أمورًا لم يُردها، قرَّرتُ أن أُقسِّمَ هذه المناقشة إلى ثلاثة أقسام، حتى يسهل على القارئ متابعةُ الردود:
(1) القسمُ الأول: بطلان قول ابن تيمية بحادِثيَّة التقسيم بعد القرون الثلاثة الأولى: بعد الاستقراء في كلام ابن تيمية أقول مُجازفَةً: إنَّ ابن تيمية قد أخطأ في دعواه بأنَّ المجازَ اصطلاحٌ حادثٌ بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى، فتقسيم اللفظ إلى حقيقةٍ ومجاز قد وُجِدَ في القرنِ الثالث الهجري، ولهذا فقد تكلَّم الإمامُ ابن تيمية في هذه المسألة بغير علم.
قال رحمه الله: (فإنَّ تقسيمَ الألفاظ إلى حقيقةٍ ومجاز إنَّما اشتهرَ في المئة الرابعة، وظهرت أوائلهُ في المئة الثالثة، وما علمتهُ موجودًا في المئة الثانية اللهم إلاَّ أن يكون في أواخرها ... ) انظر كتاب الإيمان (ص75) وانظر كذلك مجموع الفتاوى (7/ 89) .
قلتُ: وهذا يُناقِض كلامه الثاني، حيث قال رحمه الله: (وبكل حالٍ فهذا التقسيمُ هو اصطلاحٌ حادثٌ بعدَ انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلَّم به أحدٌ مِن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسانٍ، ولا أحدٌ مِن الأئمة المشهورين في العِلم، كمالكٍ والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلَّم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم) أهـ. انظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص73، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/ 88) .
قلتُ: انظر إلى قوله (حادثٌ بعدَ انقضاء القرون الثلاثة) ، فهذا القولُ غيرُ مسلَّمٍ به، فإنَّ التقسيمَ واردٌ في القرنِ الثالث، والأئمةُ مِن القرنِ الثالث قد ذكروا المجازَ الذي هوَ قسيمُ الحقيقة، وليتَهُ التزَمَ بقوله الأول ولم يُناقِض، وأنا أنقلُ ما وسعني نقلهُ عن أشهرهم معَ قلة مصادري في هذا الجانب، ولو بَحَثَ المُتخصِّص في هذه المسألة لوجد المزيد:
(1) قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرِهِ لقولهِ تعالى: {ألم تروا كيفَ خلَقَ اللهُ سبعَ سمواتٍ طباقًا * وجَعَلَ القَمَرَ فيهِنَّ نُورًا وَجعَلَ الشمسَ فيهِنَّ سِراجًا} ، قال رحمه الله: (وكان بعض أهل العربيَّة مِن أهل البصرة يقول: إنَّما قيلَ: {وَجَعَلَ القمَرَ فيهنَّ نورًا} على المجاز، كما يُقالُ: أتيتُ بني تميمٍ وإنَّما أتى بَعضَهُم. {واللهُ أنبتكم مِن الأرضِ نباتًا} يقول: والله أنشأكم مِن ترابِ الأرض ... ) هكذا نص ابن جرير.
قلتُ: فهذا ابن جريرٍ الطبري المتوفى سنة 310هـ، قد عاش في القرن الثالث الهجري وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وقد نَقَلَ عن أهل اللُّغة في عَصرهِ وقوعَ المجاز الذي هوَ قسيمُ الحقيقة، ومعروفٌ عن الإمام ابن جرير رحمه الله أنهُ كان عالمًا باللغة والنحو والقراءات، فهو حجة في هذا.
(2) وقال الإمامُ ابن قتيبةَ رحمه الله في كتابه"تأويل مشكل القرآن": (بابُ القول في المجاز) ، ثم استطرد في هذا الباب، حتى قال(وقد تبيَّن لمن قد عرف اللغة أنَّ القولَ يقعُ فيه المجاز، فيُقال: قال الحائطُ فمالَ، وقُل برأسكَ إليَّ، أي: أمِلهُ، وقالت الناقة، وقال البعير.
ولا يُقالُ في مثل هذا المعنى: تكلَّمَ، ولا يُعقَلُ الكلامُ إلاَّ بالنطق بعينِهِ ... )انظر كتاب"تأويل مُشكل القرآن" (ص69 - 73) .
قلتُ: فهذا ابن قتيبة رحمهُ الله إمامٌ مِن أئمة اللغة وعالمٌ مِن علماء السلف، عاشَ في القرن الثالث وتوفي فيهِ، سنة 276هـ، قد تكلَّم عن المجاز الذي هوَ قسيمُ الحقيقة، بل وصفَ في كتابهِ مَن يُنكر المجاز في اللغة بأنَّهم جُهَّال، ولمن أرادَ التوسع في ذلك فليقرأ كتابهُ، فقد فصَّل رحمه الله في المجاز وذكرَ أنواعهُ.
(يُتْبَعُ)