وقال الذهبي رحمه الله في السير (8/ 81) : (( ومن يتبع رخص المذاهب وزلاّت المجتهدين فقد رقّ دينه ) )، وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين (4/ 211) : (( وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض ... ) )، وقال أيضًا (3/ 300) : (( وقولهم:(إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها) ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنّة أو إجماعًا شائعًا وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: (لا إنكار في المسائل المختلف فيها) والفقهاء من سائر الطوائف قد صرّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنّة وإن كان قد وافق فيه بعضَ العلماء؟! وأما إذا لم يكن في المسألة سنّة ولا إجماع ـ وللاجتهاد فيها مساغ ـ لم تنكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا ))، وقال الشاطبي رحمه الله في الموافقات (2/ 386) : (( فإذا صار المكلف في كل مسألة عنَّت له يتبع رخص المذاهب وكلَّ قول وافق فيها هواه، فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع، وأخَّر ما قدَّمه ) )، وقال أيضًا (4/ 141) : (( وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفًا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإن له نظرا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟! فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفًا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة؛ حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدًا وما ليس بحجة حجة ) )، إلى أن قال: (( والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلًا لأمر الشارع وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، ومن هذا أيضًا جعل بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال وعدم التحجير على رأي واحد ... ويقول: إن الاختلاف رحمة، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجرت واسعًا وملت بالناس إلى الحرج وما في الدين من حرج وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة، والتوفيق بيد الله ) ).
وهذه النقول عن العلماء توضح فساد ما عليه التغريبيون المتبعون للشهوات ومن كان على شاكلتهم، ولاسيما كلام الشاطبي الذي كأنه يتحدث عن هؤلاء التغريبيين لانطباق كلامه عليهم بوضوح وجلاء، وهي نقول توضح أن الحق في واد وأن هؤلاء المتكلفين في واد آخر.
وفي مقابل هؤلاء المتكلفين الذين يهوون التفلت من الأحكام التي دلت عليها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع أنقل كلامًا لبعض العلماء المنصفين من اتباع بعض مذاهب أهل السنة فيها الإنكار لبعض ما جاء في مذاهبهم مما جاء الدليل على خلافه:
قال الحافظ في الفتح (1/ 306) : (( قال أصبغ: المسحُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أكابر أصحابه في الحضَر أثبتُ عندنا وأقوى من أن نتَّبع مالكًا على خلافه ) )، وقال في الفتح (1/ 276) : (( المالكيَّةُ لا يقولون بالتتريب في الغسل من ولوغ الكلب، قال القرافيُّ منهم: قد صحَّت فيه الأحاديث، فالعجبُ منهم كيف لَم يقولوا بها! ) )، وقال في الفتح (3/ 189) : (( قال ابن العربيُّ المالكي: قال المالكيَّةُ: ليس ذلك ـ أي الصلاة على الغائب ـ إلا لِمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قلنا: وما عمل به محمدٌ صلى الله عليه وسلم تعمَلُ به أمَّتُه؛ يعني لأنَّ الأصلَ عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له الأرضُ وأُحضرت الجنازةُ بين يديه! قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لقادرٌ، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تَخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا تُحدِّثوا إلا بالثابِتات ودَعُوا الضعافَ؛ فإنَّها سبيلُ إتلاف إلى ما ليس
(يُتْبَعُ)