فهرس الكتاب

الصفحة 25375 من 28557

ومن آفات النفوس التي تصاحب الابتداع في دين الله - تعالى: داء الكِبْر وحبُّ الظهور وازدراء الآخرين، وهذا ما قرره ابن تيمية لَمَّا أورد مفاسد البدعة، فقال: «مسارقة الطبع إلى الانحلال من رِبقة الاتباع، وفوات سلوك الصراط المستقيم؛ وذلك أن النفس فيها نوعٌ من الكبر؛ فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع حسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله: «ما ترك أحد شيئًا من السُّنة إلا لِكِبْر في نفسه» (7) .

وكذا الشاطبي أَلْمَح إلى هذا الوباء قائلًا: «لم يتبين للمبتدع أنه ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ؛ فرأى من نفسه أنه لا بد لِمَا أُطلِق الأمر فيه من قوانين منضبطة وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من حبِّ الظهور والذكر بالمناقب التي ينفرد بها، واستنباط الفوائد التي لا عهد بها؛ إذ الدخول في غُمار الخلق يميت الهوى؛ لعدم الظهور، أو عدم مظنته» (8) .

وجزم العلاَّمة ابن الوزير أن داء الكبر والعُجْب لا يفارق عموم المبتدعة، فقال - رحمه الله: «الغالب على أهل البدع شدة العُجْب بنفوسهم، والاستحسان لبدعتهم، وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك، كما حكى الله - تعالى - ذلك في قوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 39] . وهي من عجائب العقوبات الربانية، والمحذرات من المؤاخذات الخفية. وقد كثرت الآثار في أن إعجاب المرء بنفسه من المهلكات، ودليل العقوبة في ذلك أنك ترى أهل الضلال أشد عُجْبًا وتيهًا وتهليكًا للناس واستحقارًا لهم. نسأل الله العفو والمعافاة من ذلك كله» (9) .

ومهما يكن فإن تلك النفوس المشحونة بالكبر والتعالي، سرعان ما يتقشع ذلك عنها ويعقبه المهانة والصغار؛ إذ يعاقب الله - تعالى - هذا الصنف بنقيض قصدهم، فتتساقط دعواهم العريضة، وينكشف عوارهم وعجزهم، كما حرره ابن تيمية قائلًا: «هكذا شيوخ الدعاوى والشطح يدَّعي أحدهم الإلهية وما هو أعظم من النبوة، ويعزل الربَّ عن ربوبيته، والنبيَّ عن رسالته، ثم آخرتُه شحَّاذ يطلب ما يُقِيتُه، أو خائف يستعين بظالم على دفع مظلمته؛ فيفتقر إلى لقمة، ويخاف من كلمة؛ فأين هذا الفقر والذل من دعوى الربوبية المتضمِّنة للغنى والعز؟» (10) .

وأما ما يعلق بنفوس المبتدعة من التناقض والاضطراب فهذا مما يصعب حصره، لا سيما الروافض الإمامية، والذين يتعسر إيراد اضطرابهم وتخبُّطهم ... وكما قال عنهم الدهلوي - رحمه الله: «من استكشف عن عقائدهم الخبيثة، وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه، ورأى منهم كلَّ أمر عجيب واطلع على كل أمر غريب، وتيقن أنهم قد أنكروا الحسي، وخالفوا البدهي الأولي، ولا يخطر ببالهم عتاب، ولا يمرُّ على أذهانهم عذاب أو عقاب؛ فإن جاءهم الباطل أحبوه ورضوه، وإذا جاءهم الحق كذبوه وردُّوه» (11) . وسأكتفي بمثالين:

أحدهما: المرجئة: فإن الإرجاء دين الملوك - كما قال النضر بن شميل في حضرة الخليفة المأمون (12) - ويقال: فلان مرجئي يتبع السلطان (13) ، ويرون طاعة الأمراء مطلقًا وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ظنًا أن ذلك من باب ترك الفتنة (14) !

ثم هم يتناقضون؛ فالجهم بن صفوان من غلاة المرجئة ولكن خرج على بني أمية، والحارث بن سريج يرى الإرجاء، وقد خرج على نصر بن سيار (15) ، وقد وصف الأميرُ عبد الله ابن طاهر (ت 230هـ) المرجئة فقال: «لا يرون للسلطان طاعة» (16) .

وأما المثال الآخر: فأرباب التعبد المحدث (التصوف) : فإنهم يتشدقون بالمثالية الجامحة والرهبانية الحادثة، بينما هم منغمسون في الشهوات والملذات، وسماعٍ ورقصٍ، وصحبة مردان ونسوان ... فهذه المثالية المُفْرِطة تخالف الشرع والعقل والفطرة؛ إذ تسعى إلى استئصال نوازع البشر، وقمع الغرائز، واجتثاث الشهوات، فأعقب ذلك إغراقًا في الملذات، وانتكاسًا في حضيض الشهوات.

وقد أشار ابن الجوزي إلى ذلك بقوله: «إن قومًا منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلُص من أكدارها المردية، فلما راضو مدة ورأوا تعذُّر الصفاء قالوا: مالنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل» (17) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت