فهرس الكتاب

الصفحة 18935 من 28557

فمثلًا المرحلةُ المكيةُ مرحلةٌ تربويةٌ خَصبةٌ كُتبتْ فيها كثيرٌ من الكتاباتِ، ولا تزالُ بحاجةٍ إلى بسطٍ في بعضِ جوانبِها وزواياها، ومِنْ ذلكَ:

1 -موقفُ الجاهليةِ من الدَّعوةِ والمؤمنين بها؛ فأعداء الدَّعوةِ ليسُوا قريشًا وحدَهُم، بل كل الجاهلية .. ثقيف وهوازن وغيرهما. وإنَّما برزتْ قريشٌ؛ لأنهم عشيرته -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-الأقربون، ولكن تخصيصُهم بالحديثِ يوحي بمحليةِ الدَّعوةِ، وهو خطأٌ جَسِيمٌ.

2 -موقفُ المؤمنينَ مِن الاضطهادِ، بالمقارنةِ بينَ حالهِم قبلَ الإسلامِ وبعده، وكيفَ صنعُهم الإسلامِ حتَّى هانَ على المؤمنينَ من العُقُوباتِ ما كان أخفه هو غايةُ التهديدِ في الجاهليةِ كالطَّردِ من القبيلةِ مثلًا.

3 -الدَّورُ التَّربويُّ العظيم لدارِ الأرقمِ مدرسة المؤمنين السابقين الأولين، والمؤسف أن الأخبار عنها قليلة، مع أنها تميزت بإعطاء منهجٍ تربويٍّ متكاملٍ 35. ولعلَّ من الكتب المفيدة في دراسةِ المرحلةِ المكيةِ: في ظِلال القُرآن، لسيد قطب -رحمه الله- 36.

حادي عشر: العناية بتحليل الأحداث والتعليق والموازنة:

بذل العلماءُ المتقدِّمُون جُهُودًا مُضنيةً في حفظِ العلمِ وروايتِهِ أشغلتهم في بعضِ الأحيانِ عن العنايةِ بتحليلِ الأخبارِ ودراستِها والنَّظرِ في أسبابِ الأحداثِ ومُلابساتِها.

وفي عصورِ الضَّعفِ لم يأخذْ جانبُ التَّحليلِ والدِّراسةِ حقَّهُ؛ (بسبب النَّظرةِ التجزيئيةِ للقَضَايا، والسَّطحيةِ في التَّعاملِ مع الرِّواياتِ، وعدمِ وضوحِ التصورِ الإسلاميِّ لحركةِ التَّاريخ ودُورِ الفردِ والجماعةِ، والعلاقةِ الجدلية بين القدرِ والحريةِ وقانون السَّببيةِ في الرَّبطِ بين المقدماتِ والنَّتائجِ. فضلًا عن أنَّ الكتبَ التَّاريخية القديمة لا تُمدنا بمنحى واضحٍ في التَّحليلِ والتصورِ الكليِّ؛ بسببِ اعتمادِها على سَرْدِ الرِّواياتِ فقط؛ إذْ قلَّما يُشيرُ المُؤرِّخ الإسلاميُّ القديمُ إلى السُّنن والنَّواميسِ والقوانين الاجتماعيةِ التي تحكم حركةَ التَّاريخ، رغم أنَّ القُرآنَ الكريمَ لفتَ نظرَ المسلمين إلى ذلك كلِّه بوضوحٍ، بل إنَّ أحدًا مِن مُؤرِّخي الإسلامِ لم يحاولْ إعادةَ صياغةِ النَّظرةِ القُرآنيةِ للتَّاريخِ وتقديم الوقائع والتطبيقات والشَّواهد القرآنية عليها بشكلِ نظرياتٍ كُلِّيةٍ حتَّى وقت متأخر عندما كتبَ ابنُ خَلْدُون مُقدمتَهُ) 37.

ولغيابِ النَّظرةِ التحليليةِ في دِراسة السِّيرة فقد غلب عليها الطَّابعُ التسجيليُّ السَّرديُّ الذي يُحاولُ إثباتَ الوقائعِ ووصف تطورِ الأحداثِ وتقرير النتائج دُونَ الالتفاتِ إلى المقدماتِ ومحاولةِ اكتشافِ المنهجِ الذي يُسَيِّرها. ومع أنَّ الدراسات شملتْ وصفًا دقيقًا لكلِّ أحوالِ النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- وأفعالِهِ وكلِّ ما يتصلُ به .. إلا أنَّ الحديثَ عن المعجزاتِ والُمؤيِّداتِ الغيبيةِ كان على حسابِ سُنن عالمِ الشَّهادةِ التي يتحرَّكُ في إطارِها ويصنع الأحداثَ ويحقق النتائج38.

(الحقُّ أنَّ المحدِّثين في باب التحليلِ والتعليقِ والموازنةِ بين المواقفِ قد أرْبَوا على المتقدِّمين، وأكسبُوا السِّيرة جِدَّةً ورُواءً، وقد تفاوتُوا في ذلكَ على حسبِ تفاوتِهم في المراتبِ، وسعةِ العلمِ والأفقِ، والاطلاعِ على سيرِ الآخرين) 39. ولكن غالبُ هذه الدِّراساتِ قد ركَّزَ على جانبِ إثباتِ النُّبوةِ، وإبراز الخصائصِ. وهو أمرٌ لهُ مُسوِّغُهُ الظرفيُّ في الصِّراعِ مع المخالفين. واهتمَّ جُزءٌ آخرُ باستخراجِ الأحكامِ والتوجيهاتِ والفوائدِ، واهتمَّ آخرونَ بالتفسيرِ الحركيِّ لتسويغِ بعضِ مواقفِ الحركةِ الإسلاميةِ المعاصرةِ.

ثاني عشر: الاهتمام بتحرير المنهج النبويِّ في سائر المجالات:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت